ثبتي تطبيق "بمبي" علي هاتفك

السبت، 26 نوفمبر 2016

كيف لابني أن يسمع كلامي ؟



سألت يوما بعض الآباء والأمهات متى تقول إنك نجحت في تربية ابنك؟ فكان الكثير من الإجابات لما ابني يسمع كلامي؟!!

وكأن هذا الكلام آيات من التنزيل أو توجيهات من رسول، وعندما تسمع إلى الكلام الذي يرغب الآباء أن ينفذه الأبناء تصاب بالدهشة.

وإن شئت أن تقرأ شيئا من هذا العجب فإليك المثال الذي يكفي عن كثير المقال، فلقد كنت يوما في القطار, وكان في المقعد الخلفي لي أسرة، فإذا بالأم تقول لأبنائها: "هس مش عاوزه أسمع نفس" وإذا بابنة لها تسبح بخاطرها في عالمها الخيالي وتقول: "إحنا لو ما اتنفسناش هنموت" أليس الطلب في غاية العجب؟

ولقد ساءلت نفسي ما السبب في عدم سماع الابن للكلام؟

وكانت الإجابة العابرة كأب مثل كل الآباء أن هذا نوع من التمرد والعناد, ولا ينبغي للولد أن يُعود على ذلك. ولكن عندما تتأمل معي في الأسباب الحقيقية تجد المفاجأة.

أنت السبـب …. لمــاذا ؟

انظر معي إلى قول الله عز وجل: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها}، {لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها}

فإن الله حبا كل مخلوق بقدرات {ورفعنا بعضكم فوق بعض درجات} فماذا تتوقع من الطفل الصغير الذي ُيطلب منه دائما أن يكون هادئا متزنا؟ هذا أمر غير منطقي، لأن من خصائص هذه السن كثرة الحركة, والنشاط والاستكشاف، بل الطفل الهادئ قليل النشاط والحركة مقلق تربويا.

ولقد حكي لي أحد الآباء عن المصادمات اليومية بين زوجه وابنته ذات الاثني عشر ربيعا على مهام البنت في تنظيف المنزل وغيرها, ويقول إن أمها تشكو كثيرا من كثرة نومها وعدم سرعتها في أداء واجباتها في البيت، ولو علمت هذه الأم أن النمو الجسدي في هذه السن كبير جدا, وهو الذي يتسبب في هذا الخمول وقلة النشاط, لعلمت أن ابنتها معذورة, و لما حدثت كل هذه المشاحنات اليومية التي تجعل البنت تشعر بعدم الراحة تجاه أمها.

وأتعجب كثيرا من الآباء عندما أسمعهم يشكون من عناد أبنائهم. وأود أن أقول لهؤلاء: إن الابن العنيد ـ في نظرك ـ شخصية سوية لأنه استطاع أن يكون له رأي مستقل, وهو بعدم سماعه الكلام أو قوله: لا. لا يعني أنه يعاندك بنفس المفهوم الذي في ذهنك.

ولكن ماذا يحدث عندما تجبره علي سماع كلامك؟ إما أن ينفذ وهو مقهور حتى يتعود علي الجبن وعدم إبداء الرأي حتى مع أقرانه, مما يجعله شخصية ضعيفة ومقودة، وإما أن يظل صامتا حتى ينفجر في مرحلة المراهقة, ويتحول العند من مجرد رأي لتكوين الشخصية إلي عند حقيقي وتمرد.

ولكن ما الحـــل؟

1- تعلم من تحريم الخمر.

يعلمنا الله عز وجل أننا إذا أردنا أن نمنع إنسانا عن شيء محبب له أن نتدرج في المنع لا أن نمنع من أول مرة.

والكل يعرف مدى تعلق الخمر بنفوس الصحابة الذين أسلموا، ولو نزل الأمر من أول مرة بالنهي عن شرب الخمر لكان الأمر فيه مشقة، فبدأ التحريم في أول مراحله بلفت الانتباه غير المباشر إلى الحرمة، فقال الله عز وجل {فيهما إثم كبير ومنافع للناس}، ثم النهي المبسط غير المباشر في قوله تعالى: {لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون} لاحظ سبب المنع، ليس الحرمة بل لتعلموا ما تقولون، ثم النهي الصريح في المرة الأخيرة مع تعليل السبب {رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه}.

وكذلك في قصة العبد الصالح مع نبي الله موسى فإنه في المرة الأولى يبدأ بلفت الانتباه {ألم أقل}, ثم في المرة الثانية يشدد في التنبيه {ألم أقل لك}, ثم القرار في المرة الثالثة {هذا فراق بيني وبينك}.

وهكذا نتعلم أننا في نهي أبنائنا عن شيء يحبونه نبدأ بلفت الانتباه إلي الخطأ لا إلى المخطئ, وفي المرة الثانية نلفت انتباه المخطئ, وفي المرة الثالثة نتخذ القرار واجب التنفيذ.

فمثلا تريد من ابنك أحمد أن يشتري لوازم البيت وهو مندمج مع الكمبيوتر فيكون العلاج

- لفت الانتباه غير المباشر "سنشتري لوازم البيت بعد ربع ساعة"

- التوجيه المباشر "تعطي أحمد الفلوس في يده وتقول له: يا أحمد أنت ستشتري لوازم البيت بعد خمس دقائق".

- القرار "تأخذ أحمد من يده نحو الباب لينفذ الأمر".

لاحظ معي فترة التراخي في التنفيذ وهي مثل فترة التراخي في منع الخمر بين كل توجيه وآخر، وإذا امتنع أحمد عن التنفيذ في هذه الحالة, يكون الإجراء بالعقاب المناسب للخطأ.

تذكر في المرة الثالثة {هذا فراق بيني وبينك}.

2- ليكن أمرك في حدود قدرة ابنك.

جاء أبو ذر يوما إلي النبي صلي الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ألا تستعملني - أي في منصب - قال: فضرب بيده على منكبي، ثم قال: «يا أبا ذر إنك ضعيف …» [صحيح مسلم].

رفض النبي صلى الله عليه وسلم تكليف أبا ذر بالإمارة لأن قدراته ضعيفة لا تتناسب مع المهمة. ولكن كثيرا من الآباء يكلفون أبناءهم بمهام أكبر من قدراتهم أو مواهبهم، فمثلا تكليف الابن الصغير أن يحمل أمتعة البيت وهو ضعيف البينة، وفي حالة البنت السابقة ماذا تفعل لأمها ؟، وكل ما تطلبه منها أكبر من قدرتها ولكن إذا جزأت لها هذه المهام المنزلية لكانت النتيجة أفضل.

3- تابع التنفيذ بنفسك.

إن الصبي الصغير يحتاج منا إلى متابعته فيما نكلفه به من مهام حتى ينجزها. فقد تأمر ابنك أن يشتري لك شيئا ثم يتأخر عليك, فتخرج فتجده يلعب مع أقرانه, أو تجده في السنتر أو ….. فلا تعجل في معاقبته ونهره، وتعلم من النبي صلي الله عليه وسلم كيف تعامل مع حالة مماثلة عندما أمر أنس بن مالك بأمر فانشغل عن أمر النبي صلي الله عليه وسلم باللعب مع الصبيان. ونسمع الرواية من أنس: كان رسول الله صلي الله عليه وسلم من أحسن الناس خلقا. فأرسلني يوما لحاجة فقلت: والله لا أذهب. وفي نفسي أن أذهب لما أمرني به نبي الله صلي الله عليه وسلم، فخرجت حتى أمر على الصبيان وهم يلعبون في السوق، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قبض بقفاي من ورائي، قال فنظرت إليه وهو يضحك، فقال يا أنيس: «اذهب حيث أمرتك». قال: قلت: نعم. أنا أذهب يا رسول الله. [رواه مسلم في صحيحه].

لا حــظ: "يا أنيس" وهو يضحك.

4- خاطب باللفظ المحبب.

تلاحظ في القرآن الكريم أن الله إذا أراد أن يكلف الصحابة بأمر أو يلومهم على خطأ يخاطبهم بأحب لفظة إلي قلوبهم {يا أيها الذين آمنوا}, ولاحظنا ذلك في تحريم الخمر {يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر}, وعند لومه لحاطب بن أبي بلتعة في إفشاء سر النبي صلي الله عليه وسلم يقول له: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء …}, وفي حديث أنس السابق يخاطب النبي صلي الله عليه وسلم أنس في لحظة خطئه باسم "الدلع" وهو يضحك يا أنيس.

فما يمنعك بعد ذلك أن تخاطب ابنك عندما تحب منه أن يسمع كلامك بأحب الألقاب إليه بدلا من الأمر الجاف الفظ.

5- حدد سبب الأمر أو النهي.

لاحظ أن الله ما حرم شيئا إلا وبين علة تحريمه. وأنت أيها الوالد لا تمنع من ابنك شيئا إلا إذا حددت له سبب المنع, أو دوافع الطلب, حتى يكون العمل علي بينة. ولعلك تلاحظ ابنك عندما يقول لك: ليه؟ عندما تأمره بأمر.

6- اجعل في البيت قانونا يحترم.

البيت الذي ليس فيه قانون فاشل تربويا، فلا بد لك حتى يسمع ابنك كلامك أن تكون هناك بعض الضوابط التي يلتزم بها الجميع حتى أنت, وفي ساعة الاختلاف تلجأ إلي القانون. وأحكي لك تجربتي الشخصية مع قانون البيت، فلقد كنت دائما في خلاف مع ابنتي حول التلفاز, هي تريد طيور الجنة وأنا أريد قنوات الأخبار, وفي كل مرة نختلف, فهداني الله إلي أن أتفق معها علي من يشغل التلفاز الأول هو الذي له حق التحكم فيه, والثاني يستأذن منه, وكانت النتيجة مبهرة وحل الخلاف بهذه القاعدة التي التزمت أنا بها أو لا.

7- لا تجعل إجابة الطلب تكون بنعم أو لا.

إذا كنت ترى أن ابنك عنيدا، فلا تطلب منه شيئا تكون إجابته المحتملة لا، فمثلا إذا طلبت من ابنك أن يشتري لك شيئا من الدكان, فليكن السؤال من أين تشتري لنا الزيت؟ من عند عم أحمد أم من عند سالم؟، فإنك هيئته لقبول التنفيذ بهذه المقدمة، أما إذا قلت له مباشرة: اذهب واشتري الزيت فإن من المحتمل أن تكون الإجابة المتوقعة "لا".

8- لا تنه أكثر من ثلاث.

تعود إذا أردت أن يترك ابنك أمرا سيئا ـ بعد ما تمارس معه الأساليب التربوية في النهي ـ أن لا تزيد في التحذير عن ثلاث مرات، لأنك إن زدت عن ذلك تعود على عدم سماع الكلام, وهان أمرك في نظره، ولعلك لاحظت من الآيات السابقة في تحريم الخمر, والعبد الصالح أن التحذير كان مرتين وفي المرة الثالثة كان القرار.

9- لا تكن مملا بكثرة طلباتك.

ألاحظ أن بعض الآباء يجبر أبناءه على قوله: لا، عندما يكثر له في الطلب أو المنع، فيكون حال الطفل أنه يخرج من تكليف إلي تكليف ومن أمر إلى منع, وهذا يسبب الملل.

- تعلم من عبد الله بن مسعود كيفية التعامل.

كان عبد الله يذكر الناس في كل خميس، فقال له رجل يا أبا عبد الرحمن لوددت أنك ذكرتنا كل يوم. قال: أما إنه يمنعني من ذلك أني أكره أن أملكم. وإني أتخولكم بالموعظة كما كان النبي صلي الله عليه وسلم يتخولنا بها مخافة السآمة علينا. [صحيح البخاري].

وأخيرا هل علمت أيها الأب الكريم وأيتها الأم الفاضلة من السبب في عناد الطفل وعدم سماعه الكلام.

الحاجات النفسية في مرحلة الطفولة



إن الوقوف على حاجات الطفل وعلى كيفية تحقيقها وإشباعها شيء ضروري وهام ؛ لكي ينمو ويتفتح بشكل متزن في جوانب شخصيته المختلفة :الجسمية والنفسية والاجتماعية والعقلية والروحية.

و يتولد عن الحاجات دوافع تكون هي المسئولة عن اختلاف سلوك الأطفال بعضهم عن بعض ؛ولذا فإن فهم طبيعة هذه الدوافع وعلاقتها بنمط شخصية الطفل يساعد الآباء على وضع إستراتيجية للتعامل مع أبنائهم .

ما هي الدوافع؟
عند الغزالي الدوافع هي: كل ما يدفع إلى النشاط النفسي أو السلوك مهما كان نوعه حركياً أو ذهنياً ،وإذا كان الغالب على الدافع أن لا يشعر به،فإن شعرنا به كان رغبة،وإن قوي واستقر كان عاطفة،فإن الغزالي يستعمل الدوافع بالمعنى الشعوري غالباً ، وتبدو العواطف من دوافع السلوك الهامة عنده.

ويرى الغزالي أن لكل سلوك دوافع وبواعث وغايات وأهداف، وأن الدوافع داخلية تستثار بمثيرات خارجية أو بمثيرات داخلية "إن مدخل الآثار المتجددة في كل قلب إما: من الظاهر عن طريق الحواس الخمس،أو من الباطن عن طريق الخيال والشهوة والغضب والأخلاق المركبة من مزاج الإنسان،والمقصود أن القلب في التغير والتأثر دائماً من هذه الأسباب" .

أهمية الدوافع:
من وجهة نظر الغزالي:
1. إن طبيعة الإنسان لا تخلو من مجموعة من الدوافع يقول الغزالي: "اضطررت إلى أن يكون لك ميل إلى ما يوافقك يسمى شهوة".
2. إن الفكر لا يعمل دون باعث من دافع "فلو خلق الله العقل المعرف بعواقب الأمور ولم يخلق هذا الباعث على مقتضى العقل لكان حكم العقل ضائعاً على التحقيق" .
3. إن الإرادة لا تنجزم دون دافع "وكلما كان هذا الدافع قوياً أوجب جزم الإرادة و انتهاض القدرة".

ما هي الحاجة؟
هي نقص يعتري الإنسان في جانب ما ،يسبب حالة من التوتر،وينتج عنها دوافع تحرك السلوك نحو تحقيق الهدف فتحدث التوازن والهدوء.

هدي القرآن في الحاجات:
أقر القرآن الحاجات على اختلاف أنواعها ووضع لها ضوابط تعمل على تهذيبها وإشباعها بطريقة تضمن تحقيق التوازن والاعتدال والاستقرار للإنسان ، وتضمن له بلوغ مستويات من الصحة النفسية، وقد صنفت الحاجات عند علماء النفس ضمن مجوعتين أساسيتين وهما:

1. حاجات فسيولوجية:
يولد الوليد وهو مزود بمجموعة كبيرة من الحاجات ذات أهمية في نموه،وهي حاجات فطرية مثل الحاجة للطعام ،والماء،والنوم،والراحة، والأكسجين ،وتنظيم درجة حرارة الجسم،والإخراج، ويتوقف بقاء حياة الوليد على إشباع هذه الحاجات، ويكون إشباعها في هذه المرحلة ذاتي التنظيم،بدون ضبط إرادي ، أو مشاركة نشطة من الطفل أو الآخرين.

وهناك حاجات بيولوجية لا تشبع ذاتياً مثل الجوع والعطش وإنما تشبع بمساعدة الآخرين ،وإذا لم يحدث هذا مباشرة تزداد توترات الرضيع وآلمه ،والعلاقات الاجتماعية في إشباع هذه الحاجات من أكثر خبرات الطفل المبكرة أهمية وتكون لها آثار ثابتة في نمو الشخصية،" فالشخصية هي أسلوب في التوافق الذي ينتج عن التفاعل بين حاجاته العضوية والبيئة من حوله،سواء كانت هذه البيئة مشبعة أو محبطة لهذه الحاجات ، خلال توسط جهاز عصبي مركزي مرن متكيف".

2. حاجات نفسية:
تنمو مع الفرد مجموعة كبيرة من الدوافع المكتسبة تشتق من الدوافع الأولية تسمى الدوافع الثانوية،وتُكتَسَب هذه الدوافع من خبراتنا في البيئة وتفاعلنا مع الآخرين، فكما يسعى الإنسان لحفظ التوازن البيولوجي عن طريق التوازن البدني، فإنه كذلك يسعى لحفظ التوازن النفسي عن طريق التوازن الانفعالي، وذلك بإشباع الحاجات الشخصية والاجتماعية التي تستجد على الحاجات البيولوجية نتيجة خبرات التعلم المبكرة.

وتصبح هذه الدوافع المكتسبة عاملاً مؤثراً هاماً في سلوك الفرد وفي بناء شخصيته،وتحل محل الدوافع الأولية وتقوم بوظيفتها وتسمى دوافع سيكولوجية اجتماعية ولا يمكن للفرد أن يحتفظ بتكامل شخصيته إذا لم ينجح في إشباع تلك الحاجات النفسية والاجتماعية.

ومن أمثلتها:الحاجة للأمن ،وجوهر هذا النوع من الحاجة هو الاهتمام المتواصل بحفظ الظروف التي تؤكد إرضاء الحاجات أو إشباعها ،سواء كانت طبيعة هذه الحاجات بيولوجية أو سيكولوجية .

وأكثر حاجات الأمن أهمية هو " الأمن الانفعالي " وينشأ عن شعور الفرد بأنه سوف يكون قادراً على حفظ علاقات متزنة مرضية مع الناس الذين لهم أهمية عاطفية في حياته.

ومن الدوافع الاجتماعية الهامة " الحاجة إلى التقدير الاجتماعي " وهي تتضمن الحاجة إلى إقامة علاقات مع الآخرين،وتشمل الحاجة إلى الحب ،والانتماء ،والقبول الاجتماعي ،والزمالة والرضا،و التبعية،والحاجة إلى المكانة الاجتماعية واحترام الذات ،وتحقيق الذات،والحاجة للعب، وللضحك،وللمعرفة.

ومن الدوافع الاجتماعية أيضاً:دافع الثناء واللوم،دافع السيطرة والمنافسة،ودافع جذب الانتباه،ودافع التقليد والتعاطف...إلخ.

وفي هدي القرآن إضافة لم يُسْبَق إليها في مجال دراسة موضوع الحاجات وهي:

الحاجات الروحية:
ومن أمثلتها:
- الحاجة للدين: ويتولد عنها الميل للطاعة والعمل الصالح والعبودية بكل صورها،قال تعالى : { فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ } [الروم:30].

- الحاجة للتأمل: وهي ضرورية لزيادة الإيمان وتحفيز الهمم،وتصفية الذهن وتنشيطه وللمبادرة إلى العمل،قال تعالى :{ وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ } [الأنعام:75].

- الحاجة للمتعة والجمال: لها أثرها على نفسية الفرد وشعوره بالارتياح والبهجة والمسرة قال تعالى : { قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } [الأعراف:32].
ويقول ماسلو: " إن الفرد السوي الذي يتمتع بالصحة النفسية السليمة ينزع إلى البحث عن الجمال بطبيعته،ويفضله كقيمة مطلقة ومستقلة عن أي منفعة مادية".

الآثار الحسنة لإشباع الحاجات:
هذه الحاجات عوامل هامة في ضبط السلوك،حيث أنها تنشأ تحت ضغوط اجتماعية للثقافة التي يعيش فيها الفرد.

والتطور الاجتماعي للدوافع يؤدي إلى الفعل الإرادي وضبط النفس ومن بين الدوافع الأكثر كموناً والتي تعمل على ضبط أفعال الإنسان هو ما يستحث الثناء والمديح،وما يحرص على الهرب من النقد والتوبيخ.ويعتمد كل من الضبط والنمو الأخلاقي على هذه الدوافع الاجتماعية.

وإشباع الحاجات يتولد عنه شخصية إيجابية مرنة قادرة على الإنجاز والتفاعل مع الآخرين بسلام،حسنة التوافق مع المواقف والصعوبات.

الآثار السلبية لعدم إشباع الحاجات:
- إذا لم تشبع حاجات الطفل الفسيولوجية سبب ذلك إحباطاً أساسياً من حاجات النمو الوجداني والاجتماعي وهي الحاجة للأمن.
- عدم إشباع الحاجة للحب والعطف تؤثر تأثيراً سلبياً على نموه الجسمي والعقلي والوجداني.

- إن عدم إشباع الحاجات الفطرية يعرض الطفل للهلاك أو الأمراض،وعدم إشباع الحاجات النفسية يعرضه للاضطرابات والأمراض النفسية.
- وعدم إشباع الحاجات الروحية يجعله فتنة لأمراض القلب.

إن أفضل علاج في مثل هذه الأحوال يبدو في تعويض نقص التدريب أثناء الطفولة،وذلك بما يلي:
- بناء رغبات قوية للحب والعطف والاحترام.
- توفير الوسائل التي تشبع بها تلك الرغبات وأهمها زيادة وتقوية صلة الطفل بربه.

وبذلك يكون الخوف من فقدان تلك الجزآءآت أو المكافآت هو الوسيلة للتنظيم الذاتي الأخلاقي كما يحدث في الفرد السوي.

نماذج من مواقفه صلى الله عليه وسلم في إشباع الحاجات:
إن الحاجة للسرور والفرح من الحاجات الضرورية للأطفال في البناء العاطفي؛لأنها تؤثر في أنفسهم تأثيراً قوياً ،وقد حرص الرسول صلى الله عليه وسلم على تحريك هذا المؤثر في نفوس الأطفال لأنه يورث في النفس الانطلاق والحيوية،كما أنه يجعل النفس مرنة لتقبل أي أمر أو ملاحظة أو إرشاد.

وقد استخدم الرسول صلى الله عليه وسلم مع الأطفال أساليب شتى منها التقبيل،إلقاء التحية،حمل الطفل ووضعه في حجرة،المسح على الرأس،وتقديم الطعام والأكل معهم،نداءهم بأحب الأسماء إليهم مثل قوله:يا عمير ما فعل النغير....ومن هذه الحاجات:

الحاجة للعب:
كان الرسول صلى الله عليه وسلم يرى مجموعة من الأطفال يلعبون فلا يفرقهم، ولا يفسد عليهم لعبهم،بل يشجعهم على هذه الروح الجماعية والمتابعة في اللعب «يقول يعلى بن مرة : خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ودعينا إلى طعام فإذا حسين يلعب في الطريق ، فأسرع النبي صلى الله عليه وسلم أمام القوم ثم بسط يديه ، فجعل الغلام يفر هاهنا وهاهنا ، ويضاحكه النبي صلى الله عليه وسلم حتى أخذه فجعل إحدى يديه في ذقنه ، والأخرى في رأسه ثم اعتنقه ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم : حسين مني وأنا من حسين ، أحب الله من أحب حسيناً ، الحسين سبط من الأسباط » [الأدب المفرد] .

وعن جابر- رضي الله عنه- قال: «دخلت على النبي صلى الله عليه سلم وهو يمشي على أربع- أي على يديه ورجليه- وعلى ظهره الحسن والحسين وهو يقول:نعم الجمل جملكما،ونعم العدلان أنتما» رواه الطبراني.
الحاجة للتنافس والمكافأة:

إن التنافس يحرك في الطفل مشاعر وطاقات مكنونة لا يعرفها إلا عندما يضع في نفسه منافسة غيره من الأطفال ليتفوق عليهم والرسول صلى الله عليه وسلم يثير في نفوس الأطفال روح المنافسة ليحرك هذه الطاقة الهائلة فيهم،ومن أمثلة ذلك:

المنافسة الفكرية التي طرحها صلى الله عليه وسلم بحضرة الأطفال،أخرج البخاري عن ابن عمر رضي الله عنه قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن من شجر البوادي شجر لا يسقط ورقها وإنها المسلم فحدثوني ما هي؟ فوقع الناس في شجر البوادي، قال عبد الله: وقع في نفسي أنها النخلة...»

ثم حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «هي النخلة» وكذلك كان صلى الله عليه وسلم يصف عبد الله وعبيد الله بني العباس ثم يقول من سبق إليّ فله كذا وكذا فيتسابقون إليه فيقعون على ظهره وصدره فيقبلهم ويلزمهم.

إن المنافسة تنشط الأطفال وتثير هممهم وتنمي مواهبهم وتزيد معرفتهم وتنمي روح الجماعة وتدخل السرور والنشوة لديهم وتكسبهم الثقة بأنفسهم وتدربهم على مواجهة المواقف الصعبة وروح المنافسة وتكسبهم المعرفة بحدود قدراتهم الحقيقية.

الحاجة للتشجيع: 
إن التشجيع المعنوي أو الحسي عنصر ضروري في تربية الطفل؛لما للتشجيع من دور كبير في نفس الطفل وفي تقدم حركته الإيجابية البناءة ،وكشف طاقاته الحيوية ،واستمراره في العمل ،وفي تتمة حديث ابن عمر السابق "قال :فلما خرجت مع أبي ،قلت يا أبتاه وقع في نفسي النخلة ،قال وما منعك أن تقولها لو كنت قلتها كان أحب إليّ من كذا وكذا،قال ما منعني إلا أني لم أراك ولا أبا بكر تكلمتما فكرهت" [رواه البخاري].

الحاجة للإيمان بالله:
اهتم رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه الحاجة عند الأطفال وحرص على إشباعها بطريقة سوية حتى لا يشوبها المعتقدات الخاطئة؛ ولذا أرشد الغلام الذي كان ردفه على الدابة بقوله : « يا غلام احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله , واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك , وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك ».

هذه غيض من فيض لحكمته صلى الله عليه وسلم في إرضاء الأطفال وتطييب نفوسهم وإراحتهم بدفع أسباب توترهم وإشباع حاجاتهم الروحية والنفسية والبدنية.

جزى الله نبينا خير ما جزى نبياً عن أمته، ورزقنا إحياء سنته ،وحشرنا في زمرته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.

الأحد، 30 أكتوبر 2016

مواهب أطفالنا كيف نرعاها ؟



إن كثيراً من حضارات العالم القديم لم تهتم بالأطفال الاهتمام المنشود, كفئة اجتماعية مستقلة، ويعود ذلك إلى الاختلافات الاجتماعية والثقافية بينها, وسيادة المفاهيم الشعبية المتخلفة لتحصينهم من الأرواح الشريرة.
وبعد بزوغ فجر الإسلام كان له أكبر الأثر في اكتشاف المواهب الطفولية, ورعايتها مما أنتج عظماء في التاريخ, تركوا بصماتهم الجلية في ميادين العلم والسياسة.

وأحسن مثال على تعاهد الرسول -صلى الله عليه وسلم- للموهوبين, تعاهده لعبد الله بن عباس -رضي الله عنه- حتى كان يبيت معه في داره، ولحديث "احفظ الله يحفظك" خير شاهد على ذلك.

وقد استشفّ الصحابة هذا الأمر منه حتى أكمل مسيرته عمر بن الخطاب حين ضمّه لمجلس الأكابر من الصحابة، وقال له: لا تتكلم حتى يتكلموا! ثم يُقبل عليهم فيقول: ما يمنعكم أن تأتوني بمثل ما يأتيني به هذا الغلام الذي لم تستوِ شؤون رأسه.
ولهذا لما رآه الشاعر الحطيئة أُعجب بمنطقه، وقال: من هذا الذي نزل عن الناس في سنّه، وعلاهم في قوله.

وانظر إلى تعاهد والده العباس لهذه الموهبة الفذّة؛ إذ قال: يا بني! إني أرى هذا الرجل أكرمك, وأدناك فاحفظ عني ثلاث خصال: لا تفشينّ له سراً, ولا تكذبنّه, ولا تغتابنّ عنده أحداً.
ولم يكن صلى الله عليه وسلم يختص فقط عبد الله بن عباس, بل أفسح المجال للصغار لحضور مجالسه؛ مما حدا البخاري أن يبوّب: باب إذا لم يتكلم الكبير فهل للصغير أن يتكلم.

دور الأم في توجيه الموهوب:
يقع العبء الأكبر في توجيه الابن على عاتق الأم, وذلك لكثرة مخالطتها لابنها, ولانشغال الأب بطلب الرزق, فإن هي وضعت هذا الأمر ديدنها وشغلها الشاغل, بلّغها الله ما أرادت!!
فهاهي أم الشافعي, عندما ولدته في اليمن, لأنها أزْديّة وهو قرشي خافت عليه الضيعة, فقالت له: الحقْ بأهلك فتكون مثلهم, فإني أخاف عليك أن تغلب على نسبك, فجهّزته إلى مكة, فقدمها وهو يومئذ ابن عشر سنين, وجعل يطلب العلم!!

دور الأب في توجيه الموهوب:
كم من القدرات العلمية خبت في سِن مبكرة, بسبب الحاجة وسوء الحال, وإصرار الوالدين على ترك مقاعد الدراسة مبكراً لطلب الرزق, وهنا تكمن مسؤولية الوالد في تفريغ ابنه لهذا الشأن.

فعلى سبيل المثال كان والد هشيم بن بشير يصنع الكوامخ والمخلّلات, ويمنع ابنه من الطلب حتى ناظر أبا شيبة القاضي وجالسه! فمرض هشيم! فجاء القاضي يعوده, فمضى رجل إلى بشير فقال: الحق ابنك فقد جاء القاضي يعوده! فجاء, فقال: متى أملّت أنا هذا فقد كنت أمنعك يا بني، أما اليوم فلا أمنعك.

وهذا النووي شارح صحيح مسلم, وعمره عشر سنين يهرب من الصبيان, ويبكي لأنهم يُكرهونه على اللعب، ويقرأ القرآن في تلك الحال, وجعله أبوه في دكان فجعل يشتغل بالقرآن.
فرآه أحدهم, فقال لأبيه: هذا الصبي يُرجى أن يكون أعلم أهل زمانه, وينتفع الناس به, فحرص عليه أبوه إلى أن ختم القرآن!

ملاحظة أحوال الموهوب الشخصيّة:
الطفل الذي تبدو عليه سمات الإبداع, يمكن تميّزه, شريطة عدم تجاهله أو إحباطه, إذا ما أراد إظهار شخصيته غير العاديّة.

فهذا ابن الجوزي يحكي عن نفسه قائلاً: إني أذكر نفسي ولى همّة عالية وأنا ابن ست سنين, فما أذكر أني لعبت في طريق مع الصبيان قط! ولا ضحكت ضحكاً خارجاً قط، وكنت -ولي سبع سنين- أحضر حلقة المسجد, فأحفظ جميع ما أسمعه, وأذهب إلى البيت فأكتبه، ولقد كان الصبيان ينزلون إلى دجلة، ويتفرجون وأنا آخذ جزءاً, وأقعد بعيداً عن الناس وأتشاغل بالعلم.

فهذا الوعي بالتوجيه من هذه السنّ هو ما استدلّ عليه مؤخراً العالم الإنجليزي "بيرت"؛ إذ يقول: إن الطفل يستطيع ابتداءً من سنّ السابعة أن يفكر تفكيراً منطقياً, لذا يجب تدريبه منذ هذه السنّ على الاستدلال العلمي والمناقشة المنطقية!

أمثلة على نبوغ القادة السياسيين منذ سنّ مبكرة:
هم قادة عظماء تميّزوا بالهمة العالية, وقوة الشخصية, ونفاذ البصيرة, وهذا لم يكن وليد الساعة!! بل أثبت التاريخ موهبتهم الفذة منذ الصغر, فهذا يعقوب الصفار الذي ملك البلاد، وكان وهو غلام يتعلم عمل الصُّفْر "النحاس" قال معلمه: لم أزل أتأمّل بين عينيه، وهو صغير ما آل أمره إليه؟ قيل له: كيف ذلك؟ قال: ما تأمّلته قط من حيث لا يعلم بتأملي إيّاه إلا وجدته مطرقاً إطراق ذي همة وفكر ورويّة!! فكان من أمره ما كان.

وكذلك التفت معن بن زائدة إلى ابن أخيه يزيد الشيباني وما فيه من علامات الفطنة والذكاء, فقدّمه على أبنائه, مما حدا بزوجته أن تعاتبه على ذلك، فقال لها: سأريك في هذه الليلة؟ وفى ساعة متأخرة قال: يا غلام, ادعُ لي أبنائي. فأقبلوا عليه جميعهم عليهم الثياب المطيّبة، ثم قال: يا غلام ادعُ لي يزيد! فلم يلبث إلا قليلاً أن دخل عجلاً, وعليه سلاحه, فوضع رمحه بباب المجلس, ودخل عليه! فقال: ما هذه الهيئة؟ قال: إني قلت إنك لا تطلبني في هذه الساعة إلا لأمر مهم. فقالت زوجته: قد تبيّن لي عذرك.

كيف أكتشف موهبة طفلي:
يجب أن تُكتشف الموهبة عند الطفل، ومن ثم يتم توجيهها التوجيه الصحيح, والذي يكون كالتالي:

1- توجيهه إلى مجالس العلم:
لم يكن إحضار الصبيان إلى مجالس العلم, أمراً مستنكراً, بل كان هذا الأمر متواتراً عند السلف.
فلم تُثبط الأم أو الأب من همّة ابنهما بدعوى تعقيده! أو حرمانه من اللعب! بل جنَوْا مكاسب عظيمة, ونجنيها نحن بدورنا, وهي علماء ربانيّون بلغت مؤلفاتهم الآفاق.

قال الإمام الرازي: أحضرني أبي إلى مجلس أبي حاتم, وأنا إذ ذاك ابن خمس سنين, وكنت أنعس فقال لي والدي: انظر إلى الشيخ؛ فإنك تحكيه غداً!! فرأيته!

2- توجيهه إلى المجالات الأخرى:
قد لا يقتصر نبوغ الموهوب على الناحية الدينية, بل يمتد إلى مجالات أخرى، كالأدبية مثلاً، ومنها على سبيل المثال: الشعر, فقد كان بشار بن برد يقول الشعر وهو صغير, أعمى , وكان لا يزال قوم يهجوهم, فيشكونه إلى أبيه, فيضربه! حتى رقّ له من كثرة الضرب, فلما طال عليه ذلك, قال له : يا أبت لِمَ تضربني, كلما شكوني إليك؟ قال: فما أعمل؟ قال : احتج عليهم بقول الله تعالى: (ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج) فجاؤوه يوماً يشكونه، فقال لهم هذا القول؟ فقالوا: فقه بُرد أضرّ علينا من شعر بشار.

ومما يستظرف في هذا أن الكميت وقف على الفرزدق, وهو ينشد فقال: يا غلام، أيسرّك أني أبوك؟ فقال: أما أبي فلا أبغي به بديلاً، ولكن يسرني أن تكون أمي!! فحصر الفرزدق وقال: ما مرّ بي مثلها!!

3- حاجته إلى الدعم المالي :
خوفاً على هذه المواهب أن تتوارى خلف ستار الفقر والحاجة, وتشجيعاً للموهوب بتعزيز ثقته بنفسه, وكسراً لحاجز الخجل من الإفصاح عما يعتمل في خاطره من إبداعات, كانت الحاجة إلى الدعم المالي:

وهذا القاضي أبو يوسف في صغره, وكان أهله فقراء, فقال له أبوه: يا بني لا تمدنّ رجلك مع أبي حنيفة, فأنت محتاج.
فآثرت طاعة أبي, فأعطاني أبو حنيفة مئة درهم, وقال: الزم الحلقة! فإذا نفِدت هذه فأعلمني ثم بعد أيام أعطاني مئة.
ثم تسير أم سفيان الثوري بالركب لتقول كلمتها الحاسمة في توجه ابنها إلى العلم: اذهب فاطلب العلم، وأنا أعولك بمغزلي.

أين مواهبنا اليوم؟
فمن لأبناء المسلمين الذين خبت مواهبهم, واندثرت, ما بين وطأة العمل وتطلّب الرزق, أو تحت وطأة معلمين جهله همّهم أن يحفظ الطالب ما بين دفتي الكتاب دون أن ينظر إلى ما تحويه عقلية الطالب من إبداعات, واجتهادات, حيث يتحمل المعلم كل شيء ولا يقوم فيها المتعلم بشيء.

فهي تقدم للصغار من الطلاب مشكلات الكبار بدعوى أن هذه هي الطريقة المُثلى لإعدادهم للمستقبل والتمرس بحياة الكبار, فعطّلت نموهم وألحقت بهم الضرر, فكان مثلها كمثل الأُ م التي تتعجل في إطعام رضيعها مأكولات الكبار من لحم وخضار بدلا من الحليب!!

وقد قال "نيوتن" بأنه غير صحيح أنه اكتشف الجاذبية بمجرد رؤيته تفاحه تسقط - كما يظن الكثيرون- بل لأنه كان يفكر فيها دائماً, وأن نتائج بحوثه ترجع إلى العمل والكدّ الدائب الصبور.
ثم نحن نكُب ّ على التراث الغربي ونتلقفه بكل مساوئه, ونندب أحوال المسلمين ونراها بلا إبداعات.

سلاح القصة التربوي



تعتبر القصة أسلوب تربوي غير مباشر رائع جدا ونتائجه مضمونة وأسلوب القصة قادر على أن يظهر للطفل أخطاؤه دون ان نعرضه لخطورة المواجهة بها على المستوى النفسي.

وكثيرة هي الآداب التربوية التي يمكن لنا أن نعلمها لأبنائنا من خلال القصة وغالبا هذا العلم يرسخ في الذهب لأنه جاء عن طريق سرد الحكايات التي يحبها الطفل ويحفظها والقصة في النهاية تظهر نتيجة أي عمل جيد أو سيء .

والقصة تدفع الطفل إلى تصور الوقائع في مخيلته ويشعر أنه يعيش كل لحظة من لحظات القصة وهذا الأمر إضافة إلى فائدته التربوية فهو يفيد في تمرين الدماغ وتنشيط التفكير عند الطفل .

والقصة توصل المعلومة بسلاسة إلى الطفل بينما نجد ان تلك المعلومة تصل بصعوبة بالغة للطفل أن اتبعنا أسلوب تربوي آخر وتبقى القصة متميزة بإيصال التوجيهات التربوية وأفضل بكثير من الرشاد والتوجيه المباشر .

ولا شك أن القصة تعلم الطفل الكثير من الدروس التي ستساعده في تقويم سلوكه وكثيرة هي التوجيهات والسلوكيات التي يمتنع الطفل عن تطبيقها وتعلمها بينما نجد ان نفس هذه التوجيهات والسلوكيات يتعلمها الطفل ان قدمت له على شكل قصة بل انه يقبل عليها ويتعلق بها وهنا تكون فائدة القصة في التربية والتوجيه .

ولكن حتى نستفيد من القصة ونحقق الهدف التربوي منها لا بد من توفر القصة على عدة شروط أساسية فيها وهي شروط تمنح القصة قوة ونتيجة جيدة ولا بد من أخذها بعين الاعتبار.

شروط القصة:
1- اختيار القصة الجيدة والتي تتضمن عبر وفوائد يمكن للطفل ان يجنيها من خلال استماعه للقصة والابتعاد عن القصص العادية التي لا تحمل أي فائدة تربوية للطفل .

2- اختيار قصص تتناسب مع عمر الطفل وتحاكي إدراكه واستيعابه للأمور وان تم اختيار قصص اعلي من إدراك واستيعاب الطفل ولا تتناسب مع سنه لا نجني فائدة منها بل تكون مجرد تمضية الوقت .

3- الابتعاد عن القصص الخرافية والبعيدة عن الواقع وعن المجتمع المحيط بالطفل .

4- الابتعاد عن القصص المرعبة والمخيفة للطفل حيث ان مثل هذه القصص تجعله يتخيل الكثير من الأمور المرعبة وخاصة في الليل وهي غير مفيدة أيضا .

5- الابتعاد عن القصص الحزينة وصاحبة النهايات الحزينة لان الطفل يبحث دوما عن الفرح والقصة المفرحة تؤثر به وتسعده .

6- اختيار مواضيع القصة بعناية فائقة ونجعل اعتمادها على الحب والعطف والأخلاق النبيلة والمبادئ الإسلامية .

7- امتلاك أسلوب سرد مشوق ومحبب للطفل والابتعاد عن القراءة العادية للقصة .

8- يفضل أن تكون القصص مصورة وأن يشاهد الطفل الصور التي تحكي القصة فهي ستظل راسخة في ذهنه وتساعده أكثر على الاستيعاب والإدراك للقصة ومحاورها

ماذا بعد قراءة القصة للطفل ؟.

هناك أمور لا بد من القيام بها بعد قراءة القصة لنتأكد من أن القصة أتت ثمارها وأنها تركت أثرا في نفس الطفل مثلا :

1- بعد الانتهاء من القصة نوجه أسئلة عن أبطال القصة وماذا حصل معهم ولماذا حصل وماذا كانت النتيجة.

2- نسال الطفل ماذا فهم من هذه القصة .

3- نحاول أن نعرف القدر الذي حققته القصة من الرضا والقبول في نفس الطفل لان هذا مهم للقصص القادمة .

4- نطلب من الطفل أن يحاول أن يعيد على مسامعنا القصة بعد الانتهاء منها أو بعد فترة من الزمن وهذا لاختبار إدراك الطفل ودرجة استيعابه.

القصة رائعة ومفيدة وتخدم المربي كثيرا في طريق تربيته وتوفر له فرصة ممتازة لإيصال المعلومة والتوجيه والدروس .

لذلك لا يجب أن لا نهمل القصة بل يجب أن نوليها القدر الأكبر من اهتمامنا التربوي وأن نعمل على تطوير أساليبنا التربوية باستمرار وجعلها متناسبة مع الطفل ومع طباعه والقصة محببة من كافة الأطفال ولا أحد يكرهها بل يرغبون بها بشدة وهذا أمر يمكن استثماره جيدا وتسخيره لخدمة التربية والتوجيه والإرشاد نحو بناء ذات الطفل على أسس سليمة .

الخميس، 8 سبتمبر 2016

10 أفكار لتعليم الصغار النظام


بين الفوضى والنظام محطات كثيرة يمكن أن نقطعها مع الصغار، يمكننا الوصول إلى المحطة الأخيرة بسرعة فنوفر الوقت والجهد، وممكن أن نطيل المدة فنخسر بعض الوقت والجهد.

يحرص الوالدان على تعليم الصغار كل ما هو طيب وحسن فيحرصان على تعليمهم القراءة والكتابة، وكيف يمكن أن يرتدوا ملابسهم، وكيف يمكن أن يستخدموا مهارات الحياة المختلفة؛ لينجحوا في الحياة، ومن تلك المهارات المهمة: كيف يكونون أكثر نظاماً؛ لينجحوا أيضاً في الحياة.

وأفضل طريق لتعليمهم أن تكون أنت مثلاً جيداً لهم، فإذا نشأ الطفل في بيئة منظمة فالاحتمال الأكبر أن يكون إنساناً منظماً، وحتى تنشئ بيئة منظمة في منزلك إليك بعض الأفكار:

1- أوجد مكاناً لكل شيء واجعل كل شيء في مكانه، وعلم أبناءك في عمر مبكر قدر الإمكان أن يعيدوا ألعابهم إلى مكانها المناسب، وحتى يتمكنوا من هذا وفر لهم المساحة والمكان ليفعلوا ذلك، مع تعليمهم الكيفية، مع توضيح أن الهدف من ذلك هو أن يكون الترتيب من طبع الطفل؛ لأنه نواة النظام.

2- استخدام التقويم: من الأفضل أن ينشأ الأطفال وقد اعتادوا على استخدام التقويم، لهذا دربهم منذ الصغر على تسجيل أحداثهم الأسبوعية على لوحة التقويم، وذلك عن طريق تعليق هذه اللوحة في مكان بارز في المنزل أمام الصغار، بحيث يكون من السهل الوصول إليها؛ لكتابة الأحداث المهمة لهذا الأسبوع.

أما إذا كان الأبناء أكبر سناً، فيمكنك التحدث معهم عن أهمية استخدام التقويم في ترتيب الأنشطة وتحديد أوقاتها.

3- اربط العمل بالمتعة: ليصبح وقعه على النفس أفضل، وهذا ينطبق على الترتيب والنظام، فإذا ما شعر الطفل بأهميته وبأنه عمل ممتع فإنه يتبناه أيضاً.

فاحرص دائماً على أن يراك الطفل وأنت مستمتع بترتيب أوراقك في غرفتك، لكن اعلم أن ما قد يبدو لك غير منظم، قد يعتبره الطفل منظماً ومرتباً، فلا تنتقده دائماً حتى لا تفقده ثقته بنفسه، بل شجعه وعلمه، وأشعره بالفخر بما يقوم به، فهو كلما تقدم في العمر تمكن من هذه المهارة.

4- أعط أطفالك تعليمات واضحة: فهم يحتاجون إلى معرفة ما يجب عليهم القيام به، فعندما تقول: " أريد الغرفة مرتبة " قد لا يعرف الطفل ماذا تعني، فتدرج معه خطوة خطوة، حتى يتمكن من القيام بما تريده منه.

5- حول عملية الترتيب إلى جدول زمني مكتوب بطريقة سهلة: فعندما تكون الأم هي المسؤولة الوحيدة عن ترتيب المنزل، فهي تحتاج إلى أطفال أكثر نظاماً، وهذا من الممكن أن تحصل عليه، إذا كتبت لأطفالها مثل:

- ترتيب السرير كل يوم.
- وضع الكتب على الأرفف.
- وضع الملابس المستخدمة في سلة الغسيل.

- وضع الملابس النظيفة في أماكنها.
كما يمكن استخدام الصور بدلاً من الكلام في عمل الجدول.

6 - ترتيب خزانة الطفل: يعتبر من الأمور التي إن تمت، فسوف توفر عليك وعلى الطفل الكثير من الوقت، ومن أجل هذا قم بترتيب دوري للخزانة بمصاحبة الطفل، اسأله أثناء الترتيب عن طريقة الترتيب التي يرغب في أن تكون عليها خزانته.

ابدأ بنظرة فاحصة للخزانة، فإذا كانت مفتوحة فأخرج منها الأشياء التي تحجب رؤيتك لقاع الخزانة، تخلص من الأشياء أو الملابس أو الألعاب غير المستعملة، بالتبرع بها للجهات الخيرية، شجع ابنك على فعل هذا؛ لتعلمه حب العطاء إلى جانب الترتيب.

ثم تأتي المرحلة التي تقرران فيها معاً ما هي الأشياء التي يجب أن تعلق؟ وهل تعلق على الأرفف أم توضع في السلة داخل الخزانة؟.

7- أفكار التخزين: ممكن أن يصممها الطفل بنفسه، فبعض الأطفال يفضل السلال التي تعلق على الجهة الأمامية من الخزانة؛ لتكون معلقة في الحائط فيضع بها أغراضه، وتفضل بعض الفتيات استخدام السلال المعلقة لوضع متعلقاتهن.

كما يمكن استخدام العلاليق الصغيرة المعلقة خلف باب الخزانة لتعليق اكسسورات البنات، يمكن استخدام السلال الخاصة بالخضراوات المستخدمة في المطبخ بعد تلوينها.

وتعد الأكياس الملونة المعلقة خلف الباب مفيدة جداً في توفير المساحة المطلوبة، أما أدوات التعليق التي تحتل جزءاً من الحائط، فتشجع الطفل على تعليق أغراض الرياضة واللعب الخاصة به، وهذه واحدة من الأفكار المفيدة التي استخدمتها إحدى الأمهات، كما أنه يمكن استخدام 7 أكياس من القماش الملون بعدد أيام الأسبوع، بحيث توضع في كل كيس الملابس الخاصة بهذا اليوم، ويتم تعليقه في الخزانة.

8- استخدم العلب والألوان: هناك علاقة بين الألوان والترتيب، فالعلب والسلال الملونة، تسهل عمليتي التصنيف والترتيب للأم والطفل، بل تعطي روحاً طفولية للغرفة، لذا يمكن الاستعانة بالسلال الملونة الجاهزة، هذا بالإضافة إلى إمكانية تلوينها في المنزل، وذلك عن طريق رشها بالصبغ، ولكن تأكد من خلوها من مادة الرصاص السامة.

9 - اكتساب تلك المهارة في كل الأعمال: النظام لا يعني فقط غرفة مرتبة، وخزانة نظيفة، ولكنه يعني أيضاً: التفكير بنظام، والاستفادة من الوقت بنظام.

وكل هذا يكتسبه الطفل بالممارسة، والصبر من قبل الوالدين، فالطفل منذ ولادته في حاجة إلى أن نعلمه النظام، فهناك نظام غذائي يُتبع لإطعامه، وهناك نظام لنومه، ونظام لأداء واجبه.

10- تعليم الطفل طريقة ترتيب أفكاره: فلا بد أن نعلمه الخطوات منذ بداية صياغة تلك الفكرة في الدماغ، ومن ثم تدوينها أو رسمها، والبحث عما سيساعده على القيام بها، والانتهاء منها.

راقب الطفل عندما يريد شراء بعض قطع الحلوى، فالفكرة ولدت في عقله، ثم بدأ يفصح عنها، ومن ثم توجه إلى الوالدين أو الجدة، وقد يلجأ إلى البكاء كمرحلة أخيرة؛ لتحقيق هدفه.

تعلم أداء الأعمال ضمن تسلسل معين يعطي الطفل الثقة بالنفس، كما أنه يعلمه اتخاذ خطوات متعاقبة لحل المشاكل، وهو العمود الفقري لتعلم النظام والترتيب.

الجمعة، 29 يوليو 2016

8 أخطاء تربوية


مظاهر خاطئة كثيرة يمارسها الآباء في سياق الحياة اليومية وصور تتكرر ومشاهد تتعدد في منازلنا.. القاسم المشترك بينها أنها تعرقل النمو النفسي والاجتماعي للطفل وتسبب مشكلات نفسية وسلوكية متعددة في حياته.

تؤكد الأخصائية النفسية عفاف الثبيتي أن الأسباب التربوية الخاطئة في تربية الطفل تسبب مشكلات نفسية واجتماعية لديه ، كمشكلات الانطواء و الخوف الاجتماعي والشعور بالنقص والدونية ، والعدوان والتخريب.

وتقول الثبيتي : إن الأساليب التربوية الخاطئة جناية على حقوق الطفل .. فالشعور بالمحبة والأمان والاستقرار حقوق طبيعية للطفل لا بد أن يحصل عليها في أجواء مستقرة تتسم بالاتزان والتوسط بعيدا عن الإفراط أو التفريط.

وتستعرض عفاف الثبيتي بعض الأساليب التربوية الخاطئة التي ينتهجها بعض الآباء والمربين مع فلذات أكبادهم والتي عادة ما يكون لها انعكاسات سلبية قاتمة في حياة الطفل؛ منها:

1- قتل روح الفضول في وجدان الطفل.. ووأد رغبته في التعلم وحرمانه من إشباع غريزة حب الاطلاع لديه، والرغبة في اكتشاف الجديد .. بنهره وزجره و توبيخه عند طرح الأسئلة والرغبة في المعرفة ..أو السخرية منه والاستهزاء به ومعايرته بسماته السلبية وجوانب النقص في مظهره وقدراته .. فالله عز وجل يقول " يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن " فلا بد من استخدام الكلمة الطيبة مع الابن.

2- تجاهل السلوك الجيد للطفل، فمن المؤسف أن بعض الآباء والأمهات يتفننون في محو السلوكيات الإيجابية لدى الطفل عبر تجاهل سلوكياته الحميدة أو زجرهم ونهرهم لدى القيام بالسلوك الحسن..
مثال : ابنة ترغب أن تسعد والدتها فتقوم بترتيب غرفتها..وهي تتوقع أن تجد التعزيز والثناء .. لكنها تحظى بالنهر والعقاب من والدتها كأن تقول لها : " ألم أقل لك نظفي الصحون بدلا من ترتيب غرفتك؟".

3- عدم إيقاف السلوك الخاطئ الصادر من الطفل، الأمر الذي يؤدي إلى تمادي الطفل واستمراره في ممارسة السلوك الخاطئ. مثال: طفل يضرب شقيقة كفا على وجهه على مرأى من والديه في غرفة الجلوس ..فتلتفت الأم بلا مبالاة دون أن يكون لها ردة فعل تتعلق بإيقاف السلوك الخاطئ.

إن عدم الحرص على إيقاف السلوك غير المرغوب فيه في الموقف ذاته يسهم في تشجيع التصرف الخاطئ وتعزيزه وتثبيته في سلوك الطفل .

ويرتبط بذلك معاقبة الطفل على السلوك الخاطئ عبر صور انتقامية مجانبة للصواب كأن يكون الضرب على الوجه أو الرأس ..وأن يعاقب الطفل بقوة على هفوات صغيرة أو أن يتخذ المربي الضرب وسيلة للتشهير به مثل ضربه أمام أقرانه لفضحه أو معاقبته بأمور خارجة عن قدراته..أو أن يكون في العقاب ظلم للطفل أو الإفراط في استخدام أنواع معينة من العقاب البدني أو النفسي..فمن الضروري مراعاة ضوابط العقاب كما جاءت في الشريعة الإسلامية وعدم قيام الأب بعقاب الابن حال الانفعال والغضب.

4- تقديم الإيحاءات السلبية الموجهة للطفل وإطلاق الصفات والسمات السلبية على ذات الطفل، كأن تقول الأم لابنها الصغير:" أنت طفل شقي"، أو " أنت طفل غير مطيع" فهنا يتقبل الطفل تلك الصفات السلبية وتستقر في ذهنه ويبدأ في ممارستها كسلوك في حياته..وكان من الأولى بالأم إطلاق صفات إيجابية وحسنة تؤدي إلى تعزيز السلوك الصحيح في حياة الطفل كأن تقول له " أنت ولد مطيع" ، " أنت ولد مهذب وهذا يجعلني أحبك بصورة أكبر".

5- المقارنة غير العادلة بين الأبناء: إذ أن المقارنة غير العادلة بين الأبناء تشوّه صورة الابن تجاه نفسه ، إضافة إلى كونها تزرع في نفس الطفل بذور الكره والبغض إزاء من يقارن بهم .. وتمحو معالم التشجيع في حياة الابن.

6- غياب المصداقية لدى المربي.. وظهور الازدواجية في شخصيته.. كأن يأمر الوالد ابنه بالصدق لكنه لا يتمثّل هذا السلوك الإيجابي في حياته اليومية.. وقد يقوم الأب على سبيل المثال بتحذير ابنه من مخاطر التدخين في الوقت الذي يرى الابن أباه يمارس هذا السلوك ذاته ..فلا بد إذاً من توافر المصداقية في حياة الطفل.

7- عدم إشباع حاجة الطفل للحب والحنان بالشكل الصحيح، إذ أن من الأخطاء الشائعة لدى كثير من الأسر الاعتقاد أن توفير الأطعمة والهدايا والملابس هي أدلة كافية على الحب..في الوقت الذي يهملون فيه التعبير عن عاطفة الحب لأبنائهم عبر الكلمة الحانية والتفهم الصادق.. وبالتالي ينشأ الأبناء محرومين من تلك المظاهر الحيوية للحب.

من الضروري أن يفهم الآباء أن الحب عاطفة قوية يمكن التعبير عنها بصور عدة كالضم ، والتقبيل ، والثناء والحسن.. فالحب ركن أساسي من أركان تربية الطفل ..فالقبلة والاحتضان على سبيل المثال لهما دور فعال في ترجمة وتجسيد مشاعر الحب للأبناء ..ويقول النبي صلى الله عليه وسلم " من لا يرحم لا يرحم " وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم قدوة حسنة في الرحمة بالأطفال والحنوّ عليهم.

8- فرض الانضباط الزائد على الطفل نتيجة لعدم فهم خصائص المرحلة العمرية التي يمر بها وهنا يفرض الوالدان صورا من الشدة الزائدة على الأبناء فلا يمنحانهم الفرصة للتجربة وحب الاطلاع ..فعلى سبيل المثال تحرم كثير من الأمهات أبناءهن من أدنى صور الحركة الطبيعية في حال تواجد الآخرين.

ولا بد هنا من الإشارة إلى ضرورة التفريق بين مفهومي الحزم والشدة.. فالحزم أمر محمود لكن الشدة أمر غير مرغوب فيه البتة.. و تدعو عفاف الثبيتي إلى ضرورة فهم الدوافع التي تقود الطفل إلى ممارسة السلوك الخاطئ ومعرفة أسبابها، إذ أن جهل الآباء لتلك الدوافع يقوهم إلى التعامل مع تلك السلوكيات بصورة غير مناسبة مما قد يُسقط الطفل في بؤرة الإحباطات والصراعات النفسية.

كما تدعو المربين إلى التحلي بصفات الصبر والحلم والأناة والاتزان في ردود الفعل تجاه السلوكيات المختلفة مع الاهتمام بتنمية الوازع الديني لدى الطفل.

الأحد، 5 يونيو 2016

تنمية ذكاء الطفل


ليس هناك أجمل من أن يمتلك الإنسان طفلاً ذكياً، فالطفل الذكي طفل يريحك بالكثير من الأمور وينتظره مستقبل واعد.

ويعتبر الذكاء من أهم الصفات التي يميز طفل عن آخر وترفع من مكانته بين أقرانه، والذكاء يلعب في تكوينه عنصرين هامين:

الأول: الوراثة وغالباً الطفل يرث الذكاء من والدته.

والثاني: هو البيئة المحيطة بالطفل والتي ينشأ من خلالها.

وهذه البيئة هي أساس هذا المقال والحديث يدور حولها لما لها من أهمية بالغة في ذكاء الطفل ويمكن للأهل القيام بعدة أمور تجاه أبنائهم من شانها أن ترتقي بذكائهم وفي سبيل هذا أقدم لكم:

نصائح لتنمية ذكاء الأطفال :

1- أثبتت الدراسات المتعددة أن الأطفال الذين يتم تغذيهم من حليب أمهاتهم هم الأكثر تمتعاً بدرجات عالية من الذكاء حيث إن حليب الأم يتضمن عنصر مقوي ومغذي جداً للدماغ يمكنه مضاعفة ذكاء الطفل.

لذلك ينصح بتغذية الأطفال من حليب الأم والابتعاد عن الحليب الصناعي، وهذا الأمر يعتبر خطوة أولى وأساسية في طريق بناء وتنمية ذكاء الطفل.

2- دفع الطفل لممارسة الرياضة ولتحريك جسده قدر الإمكان ورفع مستوى نشاطه الجسدي؛ لأن هذا النشاط ينعكس إيجاباً على نشاط الدماغ والرياضة ترفع مستوى ثقة الطفل بنفسه.

3- تشجيع الطفل على ممارسة هواياته وتوفير مقومات تلك الهوايات لنتيح له فرصة لتطويرها وبالتالي تطوير نفسه من خلالها.

4- الاهتمام بغذاء الطفل وتنويعه وتناول الأغذية الغنية بالمعادن والفيتامينات والابتعاد قدر الإمكان عن الأطعمة الجاهزة.

5- الطفل من عادته كثير الأسئلة وكثير الفضول، وهذا يعتبر مؤشر جيد على ذكائه ويجب استثماره وحسن التعامل معه.

لذلك يجب التعاون مع تساؤلات الطفل والإجابة عليها بشكل صحيح ومحاولة الشرح بطريقة مبسطة يفهمها الطفل ولا تخلو من بعض الغموض لندفع الطفل للتفكير بالأمر ليفهمه.

أما التعامل مع فضول الأطفال بالصد ورفض التعاون سيؤدي إلى عدم تكرار الأسئلة وعدم الأسئلة يعني عدم الاكتراث للأمور أو التعلم.

6- منذ نعومة أظافرهم يجب زج الكتب والدفاتر والقصص المصورة بين ألعابهم ليعتاد الطفل على الكتاب وليدفعه الأمر شيئاً فشيئاً إلى القراءة وحب الاطلاع، وهذا الأمر كفيل بتعزيز النمو الإدراكي والمعرفي.

7- اختيار ألعاب مفيدة للأطفال ومحفزة للنشاط الذهني مثلاً نشجعهم على ممارسة الألعاب التي تتطلب تركيزاً ذهنياً مثل الشطرنج.

وأيضاً تتوفر الآن في الأسواق ألعاب ذكية ومحبوبة للأطفال وتعليمية أيضاً ويمكن الاستفادة منها وتسخيرها لرفع القدرات الذهنية للطفل والأفضل أن نختار على الأقل لعبة لعمر أكبر قليلاً من عمر طفلنا لنشجعه وندفعه ليرتقي بنفسه أكثر ليستوعب تلك اللعبة.

والطفل عادة يتفاعل مع الألعاب أكثر من أي أمر آخر وهو سيجهد نفسه ليتقن تلك اللعبة ويفهمها وهذا الإجهاد وتشغيل الدماغ هو هدفنا.

8- تحميل الطفل جزء من مسؤولياته والطلب منه التفكير في أمر يخصه ومن ثم اتخاذ القرار المناسب أمر مفيد جداً للطفل، إن أصاب بقراره زادت ثقته بنفسه وسيعتاد هذا الأسلوب الجيد في التفكير واتخاذ القرار، وإن أخطأ بقراره سيدفعه هذا للتفكير أيضاً في أسباب الخطأ وتحريك دماغه وبالتالي سيحاول مجدداً أن يتحسن باعتماده على التفكير وعلى تحريك دماغه.

هذه خطوات ليست صعبة ويمكن لأي أم أو أب القيام بها تجاه أطفالهم وبالنهاية هم الرابح الأول إن تمكنا من تطوير ذكاء أطفالهم.

صحيح أن الذكاء هبة من الله أولاً وعامل وراثي ثانياً ولكن حسن التربية السليمة واختيار البيئة المناسبة لنمو الأطفال عوامل بالغة الأهمية لتحفيز وتطوير ذكاء الطفل.

ويجب التركيز عليها وعلى أقل تقدير إن لم نتمكن من الارتقاء الكبير بذكاء الطفل نكون قد حسنا من مكانته وجودته.

الطفل الأول والوقاية من الغيرة


تُعرّف الغيرة على أنها مزيج من الانفعالات المختلفة؛ كالخوف، والغضب، والحقد، والشعور بالنقص، وحب التملك، وهي بمثابة شعور بالتهديد في حياة الطفل، أو عندما يجد الطفل تَحَدِّيًا لارتباطاته العاطفية. ومن آثار الغيرة لدى الأطفال ظهور السلوك العدواني، والأنانية، والنقد، والثورة، ومن ناحية أخرى يتسم السلوك بالانطواء وعدم المشاركة.

كيف تظهر غيرة الطفل السابق؟ 
تظهر الغيرة بأسلوب تعويضي مصطنع؛ إذ يخفي الطفل مشاعره الحقيقية، ويقوم بدور الممثل نحو أخيه المولود الجديد الذي يأخذ في ضَمِّه وتقبيله، ولكنه في حقيقة الأمر يودّ قرصه أو ضربه، ومن جانب آخر تبدو الغيرة واضحةً بسلوك عدواني مُوَجَّهٍ للصغير، كذلك يتعمد الطفل إلى جذب الأنظار إليه، ويحوّل كراهيته لأمه التي توجه اهتمامها إلى الصغير وليس له؛ فيبدأ هنا في الانتقام، ويتظاهر بالمرض أو البكاء أو العناد والسلبية.

ومن مظاهر غيرة الطفل الشائعة جذب الاهتمام، وهو نكوص الطفل إلى أنماط سلوكية طفولية سابقة؛ مثل العودة إلى شرب الحليب من الزجاجة، والنوم في سرير الطفل، والتحدث بأسلوب طفولي، ومص الإصبع، والالتصاق بالأم، والبقاء في حضنها كلما حاولت حمل الصغير.

دوافع وأسباب الغيرة

مشاعر الغيرة وسلوكياتها سلبية وضارة على شخصية الطفل ومحيطه الأسري، سواء نشأت نتيجة مولود جديد، أم لاستحسان فعل أحد الأخوة، أو لجذب الانتباه لأي سبب كان، والسؤال الذي يطرح نفسه هنا:

هل المسوّغات النفسية والسلوكية للغيرة عند الطفل حقيقة أم خيال؟ 
الغيرة شعور طبيعي في النفس الإنسانية، ويمكن استثمارها نحو الاتجاه الإيجابي البنّاء للشخصية وللأسرة، وشعور الطفل بالغيرة لا ينشأ من خيال، بل له مسوّغاته النفسية الواضحة في المحيط الأسري؛ فقد لا يشعر الوالدان بأن سلوكياتهما تجاه طفلهما تصيبه بالغيرة، وقد يجدان في سلوكياتهما ما يسوّغها، خاصة عند ميلاد طفل جديد؛ إذ يتسابق الجميع إلى حماية هذا الطفل، بينما يجد أخوه الكبير نفسه محاصرًا بين السياج الذي يحيط أخاه المولود، وتحول دون مشاركته له، وبين الرغبة الفطرية في اكتشاف هذا الكائن الجديد؛ لذلك يسلك الطفل سلوكياتٍ لا يريد بها-أصالةً- إيذاء أخيه المولود، لكنَّ موانعَ الوالِدَيْن، وكلمة "لا" المستمرة لكل طلب، والغضب الناقم على أي سلوك يقوم به الطفل الكبير، كل ذلك يصنع لدى الطفل دوافع حقيقية للغيرة، تزيدها اشتعالًا دوافع خيالية يصنعها قلق الطفل من الشعور بالإهمال، والتهديد في المكانة.

سبع قواعد تربوية وقائية

هذه الخطوات السبع تهدف إلى مساعدة الوالدين على وقاية طفلهما السابق من الوقوع في شَرَك الغَيرة، وهي:

1. الحرص على التهيئة النفسية والتمهيد لقدوم أخٍ جديد: 
غاية أي والدين في الدنيا هي تكوين أسرة ناجحة، وأهم أسس النجاح تهيئة أجواء الأسرة لكل جديد، 
وكل شيء -كي ينتقل من الرفض النفسي إلى القبول والاطمئنان- محتاجٌ دائماً إلى التمهيد والتهيئة المسبقة، حتى تهنأ به النفس، وترتاح إليه، وتتخلص من آثار الصدمة الرافضة. وبالتالي فإن تهيئة الطفل لاستقبال مولود جديد يُعدّ من أهم الأسس التي تساعده على الوقاية من نيران الغيرة، وهذا التمهيد يبدأ من بداية ظهور الحمل على الأم، إلى أن يصل المولود الجديد بالسلامة. 
وطرق هذه التهيئة كثيرة، فلنحرص على أن تغذيها أساليب المداعبة والملاطفة، وربط الطفلين نفسياً ببعضهما وبالأسرة، عن طريق الحب والتعاون، مما يكون له الأثر الكبير في إضفاء الاستقرار على الأسرة الصغيرة.

2. التشويق: 
ساعدي طفلك على الشعور بالتشوّق لقدوم أخيه، واجعليه يعيش شهور الحمل يومًا بعد الآخر بعدة أساليب، كرواية الحكاية أو القصة الليلية التي تتحدث عن الأخوة، وعن عطف الكبير على الصغير، واحترام الصغير للكبير، والمشاركة في الحياة واللعب معًا، فعنصر التشويق يساعد الطفل على بلوغ هدف عملية التهيئة، وتقبّل الطفل القادم بسعادة.

3. عزّزي الانتماء للأسرة: 
نَمِّي في طفلك الانتماء بمشاركته الرأي في جوانب مختلفة من زوايا الأسرة. قد يبدو الأمر مُعَقَّدًا، لكنه في غاية السهولة، ومن ضمن ذلك مثلاً: اجعليه يشارك في شراء احتياجات طفلك القادم، وامنحيه شعورًا بأن هذه الأشياء هديه منه لأخيه القادم.

4. لا تؤذي مشاعرَ طفلك قبل وبعد الميلاد.. كيف ولماذا؟ 
قبل الميلاد: يُصدر طفلك سلوكياتٍ تلقائيةً لا يقصد فيها الإيذاء في أغلب الأحيان، مثلًا: عندما يهبط على بطنك فجأة، أو يرفس بطنك بقدمه ذات مرة. 
بعد الميلاد: فِطرة طفلك السابق تدفعه للتعرف على أخيه القادم الجديد، فيحاول ملاعبته كأنه في نفس عمره، وهو لا يدرك تمامًا أنه ما زال عاجزًا عن المشاركة في اللعب، وأنتِ لا تدركين ذلك، مما يسبب لكِ خوفًا على طفلك المولود، فتمنعين طفلك السابق من اللعب معه والتعرف عليه. 
قد تكون حركات طفلك تلقائية وعفوية، وقد تكون مقصودة، ولكنّ تعاملك معها هو الذي يستطيع أن يساعد طفلك على التمتع بالسلوك الإيجابي، ويحميه من السلوك السلبي.

5. دعي طفلك يكتشف أخاه بلا مخاوف: 
لا تعارضي فطرة طفلك، وامنحيه فرصة اكتشاف أخيه الصغير، وشاركيه ذلك الاكتشاف، وحاوريه عن ضعف المولود الجديد، وحاجته للمساعدة، خاصةً من أخيه، وامنحيه فرصةَ أن يكون الحارس الشخصي، وعزّزي فيه دور القوة والبطولة في الحفاظ على هذا الكائن الجميل الجديد في الأسرة ، وابتعدي عن كلمة (لا) التي تستخدمينها كثيراً معه، فكلمة (لا) تدفعه إلى مواصلة رغبته في الاكتشاف بطرق أخرى قد تؤذي أخاه الصغير.

6. لا تهملي طفلَكِ السابق: 
ما يدفع الطفل للغيرة هو الشعور بالتهديد؛ تهديد في المكانة داخل الأسرة، وفي قلوب الوالدَيْن، وتهديد بنقص الاهتمام.. وهكذا، فإن كل تلك التهديدات تُخَلَّقُ داخل نفسية طفلك نتيجة إهمالك له بعض الوقت. 
إن الحياة الأسرية شراكة، وما دام هناك طفل جديد فستزيد المسؤوليات داخل نطاق الأسرة، وأفضل شيء لعلاج ذلك -دون أي ضرر- هو تحقيق الشراكة الحقيقية في تحمل المسؤوليات والمهام المختلفة في الأسرة، وإشراك الطفل السابق في تلك الأمور حسب قدراته الصغيرة. وهذا أمر ينبغي أن يتفق عليه الوالدان، ويشتركا في تحقيقه.

7. ابتعدي عن سياسة التمييز وامنحي طفلك الإيجابية: 
احرصي على احترام شخصية طفلك، ومعاملته بكل محبة، وعالجي أي سلوك خاطئ منه بلا غضب، ولا نفور، واستخدمي الحوار في مناقشة أخطائه، وتأكدي أنه يتعلم منك كل شيء، لذلك امنحيه فرصة أن يتعلم بإيجابية، وحاولي تعزيز الشعور بالحب تجاه أخيه بعدة وسائل، منها: 
-تبيان حاجة أخيه الصغير لرعايته. 
- اشتري له هديةً وامنحيها له على أنها من أخيه المولود الصغير؛ فإنّ خياله سيمنحه فرصةَ تصديقِ الأمر، مما يُثمر ازدياد حبه وانتمائه لأخيه الصغير.

الأربعاء، 1 يونيو 2016

حتى لا يتحول ابنك إلى ديكتاتور صغير !


الطفل القيادي له شخصية مميزة يجب أن يحسن الوالدان استثمارها في الاتِّجاه الإيجابي حتى تثمر انسانًا قويًا ذا عزيمة وبصيرة؛ يحسن التصرُّف في المواقف المختلفة، محبوبًا من الناس يتقن فنَّ الاحتواء والإنصات، وهذا ما ننتظره في الجيل القادم، وعلى العكس إذا أهمل الوالدان تنمية هذه السِّمَة فقد يتحول الابن الى ديكتاتور صغير لا يحبُّ سوى نفسه يصمُّ أذنيه عن سماع صوت الحق فيبغضه الناس ولا يرَى منهم سوى العصيان والثورة..

الترويض أولاً
أوضح د. رمضان درويش (أستاذ الصحة النفسية بكلية التربية جامعة الأزهر) سمات الشخصية القيادية التي تكون ظاهرة لدى الطفل من خلال الجرأة في التعبير عن الرأي وعدم التهيُّب ومواجهة المواقف الصعبة وعدم الخجل والمبادأة والمخاطرة المحسوبة والجرأة في اتِّخاذ القرار والثقة في النفس والقدرة على تحمُّل المسئولية والمبادرة بذلك والتفوق العلمي والخلقي والاجتماعي والإقدام والشجاعة، ولكن هذه السمات تفتقر إلى التروِّي والتفكير، ولذلك فإنَّ على الوالدين أن يُتْقِنا فنَّ التعامل مع طفلهم القيادي وترويض تلك الصفات فيه بشكلٍ ينمِّي ويهذِّب لديه هذه الخصائص.

وأكِّد على أنَّ اتباع الأسلوب الديمقراطي في التعامل مع الطفل القيادي ووجود مساحة من التسامح والحرص على الإنجاز والاستقلالية، فهذه الأساليب الأسرية من شأنها تنمية وإبراز سمات الشخصية القيادية لدى الطفل، بينما يؤدِّي العنف والقسوة والقمع والديكتاتورية من الوالدين أو الإهمال والرفض والنبذ إلَى كَبْت الشخصية القيادية للأبناء وقد تُحوِّلها إلى شخصية سيكوباتية وتستبدل شخصيتهم القيادية الى أخرى عدوانية متسلطة تميل الى العنف والإيذاء.

دور المدرسة
وأشار د. درويش الى أنَّ صفة القيادة لدى الطفل قد تكون موروثةً من أحد الوالدين وقد تكون مكتسبةً منهما أو من البيئة المحيطة؛ فالوراثة والبيئة لا ينفصلان فهي عملية دينامية فالبيئة قد تصقل صفة وراثية في الطفل أو تضمرها والعكس صحيح فقد تُمِدّ البيئة الطفل بصفات لم يرثها.

أما بالنسبة للدور المدرسي فعلى الأسرة أن تتكاتف مع المدرسة التي تعد البيت الثانِي للطفل عن طريق الإدارة المدرسية الحكيمة والمدرِّس الحكيم حتى لا تبنِي الأسرة وتهدم المدرسة والعكس والصفة القيادية في الأطفال لابدَّ أن يدركها المدرس الواعي ويتم عمل برامج تدريبية للمعلمين للتعامل مع الأطفال الموهوبين مثل القيادة والتعليم وغيرها وكيفية التعامل مع الأطفال المميزين.

الديمقراطية هي الحل
وبيَّن أستاذ الصحة النفسية أنَّ الصحة النفسية تُعْنَى بتنمية الإنسان السليم وبالجانب الوقائي أيضًا إذا صار الطفل متسلطًا أو ديكتاتورًا أو نبتت بداخله بذرة التسلط وحب الزعامة، فهذا دور المرشد النفسي ولو حدث تقاعس أو إهمال وعدم تكامل سيدمِّر الطرف المتقاعس ما يبنيه الآخر. ونتخلص من الإحساس بعدم العدل والمساواة بين الأطفال في الفصول بالانتخاب للقائد وليس التعيين ويتمّ عمل تعاقد بين الطفل القائد وأقرانه ولابدَّ من تدريب أبنائنا على الديمقراطية منذ الصغر.

سيكودراما
وللتخلص من سلبية التسلُّط في الشخصية القيادية أكِّد درويش على أن يتم عمل برنامج تدريبي من خلال ما يسمى بلعب الدور أو السيكودراما كأن يلعب الطفل محبّ الزعامة دور القائد المستبد وكل من يتبعونه لا يرضون عليه ويكرهونه وليعرف الثمن الذي سيدفعه إذا استمرّ بهذا النمط حتى يغير هو بنفسه من سلوكياته، وعلى الجانب الآخر يلعب دور القائد العادل الطيب المحبوب من الرعية، وبذلك أنمِّي سمة القيادة في الاتجاه الإيجابي وليس السلبي، فلعب الدور العكسي لو طفل خجول يلعب دور شجاع والعكس لو طفل شجاع يلعب دور خجول ويبين عيوب الخجل والدور العكسي مفيد جدًا في ضوء العمر والنوع والقدرات الفردية للأطفال.

ولابدَّ من التشجيع على الدراسة والعلم لنعوّضه عن عدم قدرته على القيادة وعندما يحصل على درجات أعلى من القائد يشعر بالراحة والرضا عن النفس وليس من الممكن أن نكون كلنا قادة فمن يتولّى قيادة هذه المهمة ليس أفضل الموجودين ومن يكون قائدًا ولا يحبه الناس فقيادته ليس لها معنى وهي تكليف وليست تشريفًا.

فيمكن تعويض النقص في المدرسة أنَّها ليست نهاية العالم ونحدِّد للأبناء هدفًا واضح المعالم يتناسب مع إمكاناتهم وعمرهم وقدراتهم لأنّ الإنسان الذي يفتقد للهدف إنسان عشوائي ويتعب في حياته والهدف هو التفوق والتميُّز مع عدم الضغط على الأبناء بما لا يتناسب مع قدراتهم فتحديد هدف أكبر من طموحات الطفل وقدراته ويكون مرتفع عن قدراته وإمكاناته يؤدِّي الى إحساسه بالإحباط إذا لم يتحقق.

تبادل الأدوار
وبيَّن معتز شاهين (الاستشاري التربوي) أن المشكلة في التعامل مع الطفل القيادي أنه طفل متقلِّب المزاج فإذا تعاملنا معه بالقهر والكبت وعدم اللِّين فيتحول الى إنسان ممسوخ ليست لديه شخصية ولو تعاملنا معه باستهزاء أو بتضخيم هذا ما سيحوِّله الى ديكتاتور فعلينا أن ننمِّي الناحية القيادية وننزع منه نقطة الأنانية وكذلك نتعامل مع الأنانية بحرص وعدم كبت فنوضِّح له أنه اليوم قائد وغدًا فرد ضمن المجموعة.

وأضاف: "لابدَّ من تنمية روح التعاون والبذل والعطاء وتحمل المسئولية للبنت والولد فالقيادة مسئولية بحيث لا تطغَى عليها جزئية الأنانية والقيادة يكتسبها الطفل ممن حوله وأهم شيء في القيادة أنها ليست مكاسب فقط، بل إنَّ هناك ثوابًا وعقابًا لأنَّها مسئولية، ولكن أوضح له هذا بدرجة لا تخيفه فالتربية حالة وسط بين كل حالتين فبين القيادة والأنانية شعرة لا ينبغي قطعها، وهي معادلة صعبة يجب على الوالدين والمربين أن يحسنوا التعامل معها".

خير القادة
وبيّن شاهين أنّ الطفل القيادي يجب أن يكون محبوبًا من أقرانه يستمع لنصائحهم وينفّذ أفكارهم ويأخذ بمشورتهم وينصاع لأوامرهم حتى يحبّوه ولا يكرهوه كما كان خير القادة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فقد كان قائدًا للأمة لم تعرف البشرية في مثل تواضعه واحتوائه لصحابته واحترامه للناس جميعًا.

ولو تعامل الطفل بصيغة التعالِي على أخوته داخل البيت والشعور بالتعالِي والاستحواذ فأمنعه من القيادة لأنّ هذا يوجعه نفسيًا و يمكن إجراء انتخابات لاختيار وزير المالية مثلاً، وإذا لم يحسن لمدة معينة نستبدله فيحصل تبادل أدوار فهو مهم جدًّا على نفسية الطفل ولا نكثر منه حتى لا تذوب هذه السمة البارزة لديه ويشعر بالهزيمة النفسية والفشل والإحباط، ولكن ليدرك أنَّ القيادة لا تدوم لأحد ويتهيأ نفسيًّا أن يكون مرة القائد وأخرى المَقُود وأنّ القيادة ما هي إلا حسن تصرُّف وحسن اختيار من البداية.

التربية العشوائية .. أبناء حسب الظروف


التربية العشوائية هي أن تربي أبناءك "على مزاجك"، أو وفقا لما تربيت أنت عليه، وفي الغالب هي مزيج بين الاثنين، فالأزواج الجدد غالبا ما يتسامرون حول الأسماء التي يودون منحها لأطفالهم. تحكي الزوجة لزوجها عن مدى حبها للأولاد وأنها تود أن ترزق بولد يشبه أباه لأنها تحبه كثيرا، أما الزوج فيحدث زوجته عن أمنيته في أن يرزقه الله بابنة، لأن البنات أحن على الآباء من الصبيان.. ثم إن البنت قد تدخل أباها الجنة إذا أحسن تربيتها.. لكن هل يتحدث الوالدان عن طريقة تربية الأبناء؟ وهل يأتي الزوج بكتاب عن تربية الأبناء كي تقرأه الأم قبل وضعها..

آباء وأبناء
تقول سميرة 25 سنة: أنا أحب الأطفال بشدة، وأتمنى من الله أن يرزقني بطفلة جميلة لأنني سأقوم بتربيتها كما تربيت، فقد رباني أبواي والحمد لله أحسن تربية، على القيم والأخلاق الحميدة.. ولكني فقط خائفة ألا أنجح في تربية ابنتي كما رباني أبواي.

أما محمد فيقول: بالطبع التربية مهمة المرأة.. فالأب غالبا خارج المنزل، والأم هي المكلفة بتربية الأبناء، وإذا طلبت زوجتي كتابا يتحدث عن كيفية تربية الأبناء سأعطيها المال لتشتريه.. فلا مانع لدي في أن تقرأ زوجتي عن تربية الأبناء.

ومن جانبه يقول هاني: بالطبع لا أريد أن أربي أبنائي تربية عشوائية، ولكني في نفس الوقت لن أربي أبنائي وفقا للنظريات الحديثة الخاصة بعدم ضرب الأبناء نهائيا وعدم تعريضهم لأي مواقف صعبة، فأنا أعمل مدرسا وأعلم جيدا أن الأولاد إن لم يتربوا جيدا فإنهم سيخرجون للمجتمع لا يهمهم شيء، وهنا سينطبق المثل القائل: "على نفسها جنت مراقش"، على آباء هذه الأيام.

وأخيرا كان لـ "هناء" هذا الرأي: أربي أبنائي بشكل جيد، وأحاول أن أتبع كل ما أقرأه عن التربية الجيدة والمناسبة لأطفال هذا الزمان، ولكني في حالات الغضب أو الضغط لا أستطيع أن أتبع هذه الأساليب التي "تفقع المرارة"، فأبنائي أشقياء وأحيانا لا يصلح معهم إلا الحزم والتهديد والصراخ، أما في حالتي الهادئة فإنني أعاقبهم كما يقول الكتاب..

حكاية مجتمع
وفي تعليقها على هذه الآراء تروي فاطمة المهدي، المستشارة التربوية، قصة مجتمعنا العربي من خلال قصة صديقتها فتقول: سألتني صديقة: هل للزواج الناجح شروط؟.. أجبت: بالطبع، وكيف لا؟ ثم أعددت لها شروط الزواج الناجح.. ومرت الأيام.. وتزوجت صديقتي.. فرحت لخبر حملها الأول، ووضعت صديقتي مولودها.. ومرت الأيام.. والسنون، وانتظرت أن تسألني صديقتي عن شروط التربية الناجحة، لكنها لم تفعل.. التزمت الصمت أو آثرته أو هكذا هي فهمت أنها بمجرد الزواج والإنجاب فكأنما وصلت إلى غايتها الكبرى في الحياة، وجاءت اللحظة التي كنت أتوقعها منذ فترة.. "صديقتي تعاني في تربية ابنها".. (لا تعلم كيف تواجه عناده- احتياجاته العمرية- لا تعلم كيف تتواصل معه فهو على حد تعبيرها أفقدها صوابها).

تستطرد المستشارة فتقول: سألت نفسي نفس السؤال الذي يراودني عند حل كل مشكلة: فنحن في بلادنا نقوم بالتحضير ليوم الزفاف؛ الضيوف، فستان ليلة العمر، مكان الفرح، حتى أننا نرتب للطعام الذي نأكله في هذا اليوم قبلها بفترة ليست بقصيرة.. ولكننا في المقابل للأسف لا نطلع على كتالوج الزواج الناجح، ومن ثم التربية الناجحة.. ننسى أو نتناسى أو تلك هي ثقافة مجتمعاتنا التي نصر كتربويين على محاولة تغييرها، وكأننا نسبح ضد التيار.

لماذا لا نطلع على كتالوج التربية قبل الزواج وقبل الحمل أو حتى قبل الوضع؟ فنحن نذهب للطبيب عندما نعاني ألما، وإلى الطبيب النفسي عندما تنتابنا مشكلات نفسية، لكننا وللأسف لا نتبع تلك القاعدة التي نرددها ليل نهار: "الوقاية خير من العلاج".

فتلك المقولة لا تتعدى طرف اللسان، ولا نحاول أبدا أن نطبقها إلا بعد أن تقع الكارثة.

أما بالنسبة للمصطلحات الخاصة بالتربية العشوائية والتربية المنظمة والتربية العلمية، فهي في حقيقة الأمر قد تكون مصطلحات متعارف عليها في مجتمعاتنا بالاسم، ولكننا نراها رأي العين عمليا في بعض الأسر، وأكثرها على الأغلب "التربية العشوائية"، وبالرغم من اختلافي مع التربية العشوائية - رغم أنها الأكثر انتشارا- إلا أنني لست مع التربية العلمية أيضا، لأن أنجح طريقة في التربية هي "التربية الناجحة أو الفعالة"، ولأن هذا المصطلح كبير ومطاط فهناك آباء يرون أن النجاح هو إلحاق أبنائهم بمدارس أجنبية تلبي لهم كل احتياجاتهم التربوية والتعليمية، وهناك آباء يرون أن النجاح هو نجاح الدراسة.. وهناك من يرون أن النجاح هو أن يحصل أبناؤهم على ميداليات وشهادات تقدير في الرياضة التي يلعبونها.

وتؤكد فاطمة المهدي قائلة: إن التربية الناجحة الصحيحة هي تلك التي نراها في حياة نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم في مواقفه الحياتية مع الصحابة، فهذا شاب يسـتأذنه في الزنا، وهذا غلام يده تطيش في الطعام.. وهذا أعرابي يبول في المسجد.. وهؤلاء الرماة تركوا أماكنهم في غزوة أحد.. في كل موقف من هذه المواقف كان نبينا الكريم يتواصل ويحتوي، يوجه تارة وينبه تارة ويعاتب تارة أخرى، ولا ينسى أبدا أن يشجع ويحفز. تلك هي التربية الناجحة.. تربية القدوة وتربية المواقف، فلا نحن تركنا الحبل على الغارب فأصبحت تربيتنا عشوائية بلا هدف، ولا نحن جعلناها جامدة فأصبحت علمية بحتة خالية من أي مشاعر.

وتكمل كلامها فتقول: إن التربية الناجحة لا تتأتي بالاطلاع على الكتب العلمية أو الدورات التربوية فقط، ولا تتأتي بالتعنيف والضرب، إنما تأتي بالتواصل الحميم مع الأبناء، هذا التواصل الذي يحوي بين طياته الرفق في بعض الأمور والحسم في أمور أخرى.. تأتي تلك التربية بالتوجيه السليم في الوقت المناسب، لن تأتي تلك التربية إلا من أب وأم واعيين لدورهما جيدا.. يمسكان العصا من المنتصف، مشاعر حب ومودة وتوجيه وحزم في آن واحد.. وأخيرا فلابد أن يعلم جميع الآباء أن التربية الناجحة تحتاج إلى جهد ووقت وصبر.

تعريفات هامة
ومن جانبها تقول أميرة بدران، الأخصائية النفسية: إن التربية العشوائية هي تربية تلقائية لا تركيز فيها إلا على سد الاحتياجات الأساسية بشكل كبير من طعام، وشراب، وملابس، وتعليم قدر الإمكان، وغيره من الأساسيات، يكون فيها الأب والأم في حالة دأب على تلبية كل المطالب بحب كبير للأبناء ناتج عن طبيعة فهمهم للمسئولية تجاه الأبناء، والمتمثلة من وجهة نظرهم في تلك الأساسيات، ومنها أن الوالديّة عطاء وتضحية؛ لذلك فإن هذا النوع من التربية ينتج لنا أبناءً حسب ما تجود به الظروف المحيطة.. فقد يكون مساندا لتلك التربية العشوائية مناخ صحي وصحبة جيدة، فتكون شخصيات الأبناء في حالة من التكيف الجيد مع العلاقات الخاصة بالمجتمع، والذات، والمستقبل.

أما إذا كان المناخ المصاحب لهذه التربية غير صحي، بالإضافة إلى صحبة السوء وضعف السلطة الوالديّة - حيث إن هذا النوع من التربية يعتمد على عطاء الأبوين وحبهما - فإنه قد ينحرف الأبناء ولكن بمستويات متفاوتة حسب الخبرات والظروف.

وتضيف أميرة قائلة: إن التربية العشوائية توفر عنصر مهم جدا من عناصر الحاجات الأولية للتربية، ألا وهو الحب والرعاية التي توصل للابن رسالة مهمة جدا له في الحياة، وهي أنه شخص محبوب ويستحق الاهتمام، فيثق الابن في نفسه رغم غياب الرعاية النفسية المتخصصة في التعامل مع مراحل العمر المختلفة للأبناء، وتتوقف بشكل كبير على الوالدين وفهمهم للتربية ونظرتهم لها، فنجد مثلا نماذج مثل طه حسين، وزويل، والشعراوي، أبناء لتلك التربية.. وفي المقابل نجد "التوربيني"، وأطفال الشوارع هم نتاج لنفس التربية التي تتوقف في كل الأحوال على طبيعة فهم وإدراك الوالدين للتربية من وجهة نظرهم.. ويمكن القول أن التربية العشوائية كالبطيخة "ياصابت ياخابت" (أي: أصابت أو خابت).

أما بالنسبة لنوع التربية الآخر المعروف بالتربية "النفسية"، والتي يتعامل فيها الآباء بحرص شديد وفقا للتعامل السليم من الناحية النفسية ومواجهة مشكلات الأبناء، فإن هذا النوع من التربية قد وجد في المستويات الاجتماعية العليا، وغالبًا ما يكون الوالدان على درجة ثقافية جيدة جدا ويتبعون كل ما يشير له علماء النفس في التربية، وهي تنتج لنا أبناء ناجحين على المستويات العلمية والاجتماعية، ولكنها تفتقر لدرجة كبيرة نسبيًا للوجدان والعاطفة، فنجد الأبناء يتعاملون مع كل شيء، سواء أنفسهم أو علاقاتهم الاجتماعية أو الدراسية أو غيره، وفقا لكتالوج "ما يجب أن تكون عليه الأمور"، والذي يعرفونه جيدا وكأنهم آلات تفتقر للمرونة، وهؤلاء الأبناء يكونون على درجة كبيرة من الحذر والحفاظ على ارستقراطية العلاقات.

أما التربية "المتوازنة" فهي فعلا تلك التربية التي تأخذ من مميزات كل نوع من أنواع التربية وتتفادى عيوبها قدر الإمكان، فتوازن بين العطاء والتدليل، وبين القسوة والحزم، وبين السيكولوجية والوجدان، في إطار شامل للدين ودرجة مقبولة من المرونة التي تسمح ببناء شخصية الابن بشكل سوي قدر الإمكان، والتي توفر عنصر الاحترام والمصداقية والمرجعية الناضجة.

ولم تتوفر أي إحصائيات يمكن الاستناد عليها حتى الآن بخصوص التربية الشائعة في الوطن العربي، ولكنها تتراوح بين التربية العشوائية والتربية القاسية والنفسية بقدر تقدم البلد العربي وثقافته المتغلغلة فيه.

السبت، 28 مايو 2016

الأب الطيب .. والأولاد المدللون


يشعرني زوجي دائمًا أنني "الست الشريرة والأم التي لا تطاق"، فما إن يعود إلى المنزل بعد يوم عمل طويل حتى يرتمي الأولاد في حضنه كما عودهم من صغرهم، وبمجرد أن يدخل إلى المنزل يكون ممنوعًا عقاب الأولاد أو لفت انتباههم لخطأ ارتكبوه، فهو يريدهم حوله، يدللهم ويمرح معهم ويحملهم.. وعندما أقوم بتوجيه الأولاد إلى خطأ اقترفوه، يقول لي زوجي أمامهم: أنت جالسة معهم طوال اليوم.. اتركيني أنا معهم الآن.. بالطبع أشعر أكثر بالضيق، حيث يشعرونني جميعًا أنني الأم الشريرة التي تأمر وتنهى فقط، بالرغم من أنني أراعي حاجاتهم النفسية والمالية طول اليوم".

هل ما يفعله هذا الأب صحيح؟ وهل الأم هنا شخص شرير بالفعل؟
بعض الآباء يدللون أبناءهم بشكل زائد تعويضًا لهم عن البعد الطويل، نظرًا للعمل أو للانشغالات المختلفة، فالأب لا يقضي مع أبنائه سوى لحظات أو ساعات قليلة، وهذه اللحظات غالبًا ما تكون لطيفة، فيرسخ في ذهن الأطفال فكرة أن الأب أفضل من الأم، وفي المقابل تكون الأم مشغولة معهم ومع احتياجاتهم طوال اليوم، لذا فهي قد تتعصب عليهم أو ترغمهم على فعل أشياء لا يودونها، كإنجاز الواجبات وترتيب غرفهم ومساعدتها في بعض الأمور.. فيظهر أمامهم أن الأم مزعجة في حين أن الأب لطيف وطيب.

وفي بعض الأحيان يكون النموذج معكوسًا، حيث تكون الأم لطيفة وهادئة وتعرف كيف تتصرف مع أبنائها جديًا في الوقت الذي لا يحب الأب أي إزعاج، فيتعصب في وجه الأولاد ويضربهم للابتعاد عنه فيخاف منه الأبناء..

هل التودد الزائد للأبناء وتدليلهم صحيح تربويًا؟ وما هو دور كل من الأم والأب المنوط بكل منهما القيام به مع الأبناء؟.. هذا ما يجيب عنه مستشارونا التربويون...

لكل أم : لا تحزني
تقول د.دعاء راجح، المستشارة الاجتماعية: لا يجب أن تحزن الأم إن كانت هي الطرف الشرير، فالطفل لا يترسخ في ذهنه كونها شريرة إلا من تصرفاتها معه وليس بمقارنتها بالأب. أما بخصوص تصرفات كل منهما مع الأبناء فهذا يعتمد إلى حد كبير على شخصية كل من الأب والأم، من حيث العصبية ومن حيث قدراتهم ومعلوماتهم التربوية، فالأب أو الأم العصبية المزاج بالطبع تتعامل مع الطفل بهذه العصبية، كما أن قراراتها بشأن الطفل: "افعل أو لا تفعل" غير مبررة، بمعنى: لماذا افعل ذلك ولا افعل ذلك..(هو كده وخلاص)".

وفى المقابل نرى الكثير من الآباء أو الأمهات مدللين لأبنائهم، فلا يرفضون لهم طلبًا، بدعوى "الحنية"، وهو أمر خاطئ تربويًّا، وفي الغالب يصعب التعامل مع مثل هذه المواقف إلا بإقناع الأب والأم بأن هذا (خطأ تربوي) يؤثر بشكل سلبي على شخصية الطفل مستقبلًا، ويجعله ينحو في اتجاهين :

- إما أن يكون طفلًا سلبيًا غير مبالٍ بما يدور حوله.
أو يكون طفلًا عصبي المزاج، يميل إلى العنف عندما لا تلبى طلباته.

تستطرد راجح قائلة: الحنان والحب احتياج فطري يحتاج إليه الطفل كما يحتاج إليه الكبير أيضًا.. ولكن حاجة الطفل له تفوق حاجة الكبير، لأنه في فترة نمو عاطفي لازمة لتكوين شخصيته. وكثير من الآباء يخلطون بين الحب والتدليل، فالحب هو التعبير عن المشاعر وتلبية احتياجات الطفل (العاطفية) بوسائل التعبير المختلفة، كالقبلات والأحضان ونظرات العين واللمس الرفيق والحديث معه واللعب معه. وهذا التعبير لابد أن يشبع ويلبي احتياجات الطفل بغزارة كلما أمكن ذلك. أما التدليل فهو تلبية احتياجات الطفل (المادية).. بمعنى أنه تكون كل طلباته مجابة.. وكل ما يجب أن يقوم به يمكن التغاضي عنه، وللأسف يخلط الكثيرون بين تلبية الاحتياجات المادية والاحتياجات العاطفية، ويعتبرونها وسيلة للتعبير عن حبهم لأبنائهم، وهذا خطأ فادح لا يشبع الابن عاطفيًّا ويجعله طفلًا مدللًا.

تكمل راجح قائلة: لابد أن يتعلم الآباء كيف يقولون (لا) بحب، وكيف يقولون (يجب أن تفعل ذلك) أيضًا بحب، حتى العقاب يجب أن يتم بحب، كما يجب أن تكون الأوامر والنواهي مبررة، بمعنى أن يفهم الطفل لماذا يجب أن يفعل ذلك، ولماذا لا يجب حتى ينمو عنده المبدأ والقيمة. كما يجب أن يتفق الوالدان على ذلك، وأن يتعاملا مع الطفل بنفس الأسلوب.

وبالنسبة لمشكلة الأب الغائب فهذه مهمة الأم، فالأم هي من يدير العلاقة بين الأب والأبناء، الأم هي غالبًا الأكثر خبرة بأمور التربية، وهي من يوجه الرجل إلى كيفية التعامل الأمثل مع أبنائه، مع مراعاة شخصية الأب.

فإن كان الأب يحب أن يجلس مع أبنائه عند عودته من العمل فيجب أن تتيح هذا الوقت له.. وتجعله وقتًا ظريفًا ممتعًا للاثنين، بحيث يحصل على كفايته العاطفية من عاطفة الأب، وألا تبادر بالشكوى إلى الأب من أفعال الصغير طوال اليوم، أو تطلب منه عقابه؛ لأنها لابد أن تقوم هي نفسها بهذا الدور. وإذا كان الأب من النوع العصبي، أو أن الطفل مزعج بشكل يجعل علاقته دومًا بأبيه متوترة فلابد أن تكون هي الوسيط الذي يلطف الجو ويتحكم في الطفل بقدر المستطاع.

تؤكد راجح قائلة أن الطفل يحتاج إلى عاطفة الأبوة كما يحتاج إلى عاطفة الأمومة، والأبوة عاطفة مكتسبة إلى حد كبير، فلابد أن تساعد الزوجة زوجها على نموها بالتدريج كي يحب ابنه، وكلما كانت العلاقة بين الأب والابن رائعة كلما كانت في مصلحة الطرفين.

مسئولية مشتركة
ومن جهته يقول د.عمار عبد الغني، المستشار التربوي: إن رعاية الطفل مسؤولية الأبوين معًا، قال صلى الله عليه وسلم: (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، والرجل راع في بيته ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها)، ويقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} [التحريم:6].

ولكننا إذا نظرنا إلى واقع الأمر وجدنا أن الرجل لا يقضي في بيته ومع أطفاله إلا جزءًا يسيرًا من الوقت، هذا من حيث الكم، ومن حيث الكيف فهذا الوقت يكون فيه منهكًا من العمل، يطلب الراحة، وليس لديه قدرة على التفكير في شأن أولاده. لذا يظهر لنا أن الدور الأكبر في هذا هو دور المرأة ومسؤوليتها، لذا في البداية اسمحوا لنا أن نفك الاشتباه بين الدور الحقيقي للأب وبين الدور المزيف، الدور الحقيقي للأب في حياة الأسرة لم يعد كما كان سابقًا، منحصرًا في أداء الواجبات المنزلية والاحتياجات المادية، وتأمين الدخل المادي وحماية الأسرة وتوفير اللوازم الأساسية، ولم يكن هناك احتكاك بين الأب والأبناء، وما ينتج عن ذلك من آثار سلبية على حياة الأطفال وتربيتهم، فكان الأب يجهل الكثير عن الأبناء، فكانت نتائج الإهمال والتجاهل تظهر جليًا عندما يكبر الطفل.

أما اليوم فقد تعدى ذلك بكثير، ليكون للأب الدور المعنوي الكبير في تربية الأطفال وإعدادهم وفق طرق وأساليب علمية تربوية منهجية، تقوم على معرفة متطلبات الطفل ومراحل نموه والمؤثرات النفسية وكل ما يتعلق بسيكولوجية الطفل، وكبر طموح الآباء في بناء جيل قويم يتمتع باستقلالية نسبية، يعتمد على نفسه، ويحس بمسؤولياته، وهو مازال في السنين الأولى من عمره، فصار يمضي جل وقته قريبًا من أطفاله، يصغي لهم ويلبي طموحهم، ليودع بذلك مرحلة سيطر فيها الجهل على سلوكه، فالسنوات الثلاث الأولى من حياة الطفل مهمة خاصة على مستوى النمو الجسدي وعلى المستوى التربوي، لذا فإن وجود الأب كمعلم وتربوي في حياة الطفل يعتبر من العوامل الضرورية في تربيته وإعداده.

وبالرغم من أن الأم هي الأساس في حياة الطفل منذ الولادة فهي التي أنجبته، إلا أن دور الأب يبقى مهمًا من نوع آخر، فيقدم الحنان الأبوي ويسهر على حياة الطفل ويحميه من كل أذى بالتواصل معه والعيش قريبًا منه.. فينمو الطفل ويكبر على أسس تربوية سليمة، وبالرغم من أن الأدوار التي يؤديها كل من الأب والأم مختلفة، إلا أنها تبدو مهمة للبناء التربوي للطفل، حيث تظهر الأم الهدوء والحنان تجاه سلوكه، ويقوم الأب بدور النشاط والحيوية اللازمين لينهل منهما الطفل.

يستطرد د.عمار قائلًا: إن الدور الحقيقي وعكسه المزيف الشكلي أو الدور السطحي يقوم مقام المجاملة التعويضية النفسية عن تقصيره تجاه أبنائه، فيظهر الوجه الطيب، يكشفه الأبناء وإن طال، لأنه غير حقيقي، خاصة وقد بدأ الآباء يشاركون في المهمة التربوية للأطفال، ويسجلون حضورًا له قيمته الكبيرة في حياة الطفل. وتبقى الأم في جواره فترة أطول وتقدم له كل ما يحتاجه من وسائل الرعاية والخدمات الضرورية، فإن دور الأب خرج من الإطار التقليدي للأبوة وفق النموذج القديم، ليؤدي الأب دورًا متميزًا تجاه الطفل، ويسخِّر له أوقات فراغه، ويقيم معه علاقات صلبة من اليوم الأول لولادته، فيحميه ويتعرف على متطلباته اليومية والتربوية.

خلاصة الموضوع
وبخصوص دور الأم فلا يسع عشرات الصفحات إدراك أهميتها وضرورة دورها وتأثيره على الأبناء منذ أيام الحمل حتى ما بعد وفاتها تظل هي اللصيق الوجداني بالأبناء والضمير المميز لهم في حياتهم، فالأم بمثابة غرفة التحكم التي من خلالها يتحرك الطفل، فهي التي تغرس فيه معالم المستقبل، وتأخذ بيده إلى طريق النجاح، خاصة إذا كانت هذه الأم تعرف ملامح الطريق وتفهم دينها وترعى بيتها رعاية إسلامية متكاملة، فلابد من أن تكون الأم والمدرسة حلقتين متصلتين مترابطتين لا انفصال بينهما.

يؤكد د.عمار أنه لا يصح البتة أن تتنحى الأم عن دورها جانبًا، بسبب العمل أو الانشغالات الأخرى، وبالتالي يعاقب الزوج على حساب أبنائه الذين لا ذنب لهم في تصفية المصالح بين الزوجين.

ويعتقد د.عمار أن خلاصة الموضوع تكمن في نقطتين مهمتين :

- ضرورة تولي الوالدين مسوؤلياتهما كاملة تجاه أبنائهما في التربية والتحصين والتنشئة.
- تجنب التمثيل وارتداء قناع الوالد الحنون وارتداء الأم القناع الحازم أو العكس، تعويضًا نفسيًا، سرعان ما سيكشف زيفه الأولاد في زمن النباهة وسرعة البديهة.