ثبتي تطبيق "بمبي" علي هاتفك

السبت، 28 مايو 2016

الأب الطيب .. والأولاد المدللون


يشعرني زوجي دائمًا أنني "الست الشريرة والأم التي لا تطاق"، فما إن يعود إلى المنزل بعد يوم عمل طويل حتى يرتمي الأولاد في حضنه كما عودهم من صغرهم، وبمجرد أن يدخل إلى المنزل يكون ممنوعًا عقاب الأولاد أو لفت انتباههم لخطأ ارتكبوه، فهو يريدهم حوله، يدللهم ويمرح معهم ويحملهم.. وعندما أقوم بتوجيه الأولاد إلى خطأ اقترفوه، يقول لي زوجي أمامهم: أنت جالسة معهم طوال اليوم.. اتركيني أنا معهم الآن.. بالطبع أشعر أكثر بالضيق، حيث يشعرونني جميعًا أنني الأم الشريرة التي تأمر وتنهى فقط، بالرغم من أنني أراعي حاجاتهم النفسية والمالية طول اليوم".

هل ما يفعله هذا الأب صحيح؟ وهل الأم هنا شخص شرير بالفعل؟
بعض الآباء يدللون أبناءهم بشكل زائد تعويضًا لهم عن البعد الطويل، نظرًا للعمل أو للانشغالات المختلفة، فالأب لا يقضي مع أبنائه سوى لحظات أو ساعات قليلة، وهذه اللحظات غالبًا ما تكون لطيفة، فيرسخ في ذهن الأطفال فكرة أن الأب أفضل من الأم، وفي المقابل تكون الأم مشغولة معهم ومع احتياجاتهم طوال اليوم، لذا فهي قد تتعصب عليهم أو ترغمهم على فعل أشياء لا يودونها، كإنجاز الواجبات وترتيب غرفهم ومساعدتها في بعض الأمور.. فيظهر أمامهم أن الأم مزعجة في حين أن الأب لطيف وطيب.

وفي بعض الأحيان يكون النموذج معكوسًا، حيث تكون الأم لطيفة وهادئة وتعرف كيف تتصرف مع أبنائها جديًا في الوقت الذي لا يحب الأب أي إزعاج، فيتعصب في وجه الأولاد ويضربهم للابتعاد عنه فيخاف منه الأبناء..

هل التودد الزائد للأبناء وتدليلهم صحيح تربويًا؟ وما هو دور كل من الأم والأب المنوط بكل منهما القيام به مع الأبناء؟.. هذا ما يجيب عنه مستشارونا التربويون...

لكل أم : لا تحزني
تقول د.دعاء راجح، المستشارة الاجتماعية: لا يجب أن تحزن الأم إن كانت هي الطرف الشرير، فالطفل لا يترسخ في ذهنه كونها شريرة إلا من تصرفاتها معه وليس بمقارنتها بالأب. أما بخصوص تصرفات كل منهما مع الأبناء فهذا يعتمد إلى حد كبير على شخصية كل من الأب والأم، من حيث العصبية ومن حيث قدراتهم ومعلوماتهم التربوية، فالأب أو الأم العصبية المزاج بالطبع تتعامل مع الطفل بهذه العصبية، كما أن قراراتها بشأن الطفل: "افعل أو لا تفعل" غير مبررة، بمعنى: لماذا افعل ذلك ولا افعل ذلك..(هو كده وخلاص)".

وفى المقابل نرى الكثير من الآباء أو الأمهات مدللين لأبنائهم، فلا يرفضون لهم طلبًا، بدعوى "الحنية"، وهو أمر خاطئ تربويًّا، وفي الغالب يصعب التعامل مع مثل هذه المواقف إلا بإقناع الأب والأم بأن هذا (خطأ تربوي) يؤثر بشكل سلبي على شخصية الطفل مستقبلًا، ويجعله ينحو في اتجاهين :

- إما أن يكون طفلًا سلبيًا غير مبالٍ بما يدور حوله.
أو يكون طفلًا عصبي المزاج، يميل إلى العنف عندما لا تلبى طلباته.

تستطرد راجح قائلة: الحنان والحب احتياج فطري يحتاج إليه الطفل كما يحتاج إليه الكبير أيضًا.. ولكن حاجة الطفل له تفوق حاجة الكبير، لأنه في فترة نمو عاطفي لازمة لتكوين شخصيته. وكثير من الآباء يخلطون بين الحب والتدليل، فالحب هو التعبير عن المشاعر وتلبية احتياجات الطفل (العاطفية) بوسائل التعبير المختلفة، كالقبلات والأحضان ونظرات العين واللمس الرفيق والحديث معه واللعب معه. وهذا التعبير لابد أن يشبع ويلبي احتياجات الطفل بغزارة كلما أمكن ذلك. أما التدليل فهو تلبية احتياجات الطفل (المادية).. بمعنى أنه تكون كل طلباته مجابة.. وكل ما يجب أن يقوم به يمكن التغاضي عنه، وللأسف يخلط الكثيرون بين تلبية الاحتياجات المادية والاحتياجات العاطفية، ويعتبرونها وسيلة للتعبير عن حبهم لأبنائهم، وهذا خطأ فادح لا يشبع الابن عاطفيًّا ويجعله طفلًا مدللًا.

تكمل راجح قائلة: لابد أن يتعلم الآباء كيف يقولون (لا) بحب، وكيف يقولون (يجب أن تفعل ذلك) أيضًا بحب، حتى العقاب يجب أن يتم بحب، كما يجب أن تكون الأوامر والنواهي مبررة، بمعنى أن يفهم الطفل لماذا يجب أن يفعل ذلك، ولماذا لا يجب حتى ينمو عنده المبدأ والقيمة. كما يجب أن يتفق الوالدان على ذلك، وأن يتعاملا مع الطفل بنفس الأسلوب.

وبالنسبة لمشكلة الأب الغائب فهذه مهمة الأم، فالأم هي من يدير العلاقة بين الأب والأبناء، الأم هي غالبًا الأكثر خبرة بأمور التربية، وهي من يوجه الرجل إلى كيفية التعامل الأمثل مع أبنائه، مع مراعاة شخصية الأب.

فإن كان الأب يحب أن يجلس مع أبنائه عند عودته من العمل فيجب أن تتيح هذا الوقت له.. وتجعله وقتًا ظريفًا ممتعًا للاثنين، بحيث يحصل على كفايته العاطفية من عاطفة الأب، وألا تبادر بالشكوى إلى الأب من أفعال الصغير طوال اليوم، أو تطلب منه عقابه؛ لأنها لابد أن تقوم هي نفسها بهذا الدور. وإذا كان الأب من النوع العصبي، أو أن الطفل مزعج بشكل يجعل علاقته دومًا بأبيه متوترة فلابد أن تكون هي الوسيط الذي يلطف الجو ويتحكم في الطفل بقدر المستطاع.

تؤكد راجح قائلة أن الطفل يحتاج إلى عاطفة الأبوة كما يحتاج إلى عاطفة الأمومة، والأبوة عاطفة مكتسبة إلى حد كبير، فلابد أن تساعد الزوجة زوجها على نموها بالتدريج كي يحب ابنه، وكلما كانت العلاقة بين الأب والابن رائعة كلما كانت في مصلحة الطرفين.

مسئولية مشتركة
ومن جهته يقول د.عمار عبد الغني، المستشار التربوي: إن رعاية الطفل مسؤولية الأبوين معًا، قال صلى الله عليه وسلم: (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، والرجل راع في بيته ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها)، ويقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} [التحريم:6].

ولكننا إذا نظرنا إلى واقع الأمر وجدنا أن الرجل لا يقضي في بيته ومع أطفاله إلا جزءًا يسيرًا من الوقت، هذا من حيث الكم، ومن حيث الكيف فهذا الوقت يكون فيه منهكًا من العمل، يطلب الراحة، وليس لديه قدرة على التفكير في شأن أولاده. لذا يظهر لنا أن الدور الأكبر في هذا هو دور المرأة ومسؤوليتها، لذا في البداية اسمحوا لنا أن نفك الاشتباه بين الدور الحقيقي للأب وبين الدور المزيف، الدور الحقيقي للأب في حياة الأسرة لم يعد كما كان سابقًا، منحصرًا في أداء الواجبات المنزلية والاحتياجات المادية، وتأمين الدخل المادي وحماية الأسرة وتوفير اللوازم الأساسية، ولم يكن هناك احتكاك بين الأب والأبناء، وما ينتج عن ذلك من آثار سلبية على حياة الأطفال وتربيتهم، فكان الأب يجهل الكثير عن الأبناء، فكانت نتائج الإهمال والتجاهل تظهر جليًا عندما يكبر الطفل.

أما اليوم فقد تعدى ذلك بكثير، ليكون للأب الدور المعنوي الكبير في تربية الأطفال وإعدادهم وفق طرق وأساليب علمية تربوية منهجية، تقوم على معرفة متطلبات الطفل ومراحل نموه والمؤثرات النفسية وكل ما يتعلق بسيكولوجية الطفل، وكبر طموح الآباء في بناء جيل قويم يتمتع باستقلالية نسبية، يعتمد على نفسه، ويحس بمسؤولياته، وهو مازال في السنين الأولى من عمره، فصار يمضي جل وقته قريبًا من أطفاله، يصغي لهم ويلبي طموحهم، ليودع بذلك مرحلة سيطر فيها الجهل على سلوكه، فالسنوات الثلاث الأولى من حياة الطفل مهمة خاصة على مستوى النمو الجسدي وعلى المستوى التربوي، لذا فإن وجود الأب كمعلم وتربوي في حياة الطفل يعتبر من العوامل الضرورية في تربيته وإعداده.

وبالرغم من أن الأم هي الأساس في حياة الطفل منذ الولادة فهي التي أنجبته، إلا أن دور الأب يبقى مهمًا من نوع آخر، فيقدم الحنان الأبوي ويسهر على حياة الطفل ويحميه من كل أذى بالتواصل معه والعيش قريبًا منه.. فينمو الطفل ويكبر على أسس تربوية سليمة، وبالرغم من أن الأدوار التي يؤديها كل من الأب والأم مختلفة، إلا أنها تبدو مهمة للبناء التربوي للطفل، حيث تظهر الأم الهدوء والحنان تجاه سلوكه، ويقوم الأب بدور النشاط والحيوية اللازمين لينهل منهما الطفل.

يستطرد د.عمار قائلًا: إن الدور الحقيقي وعكسه المزيف الشكلي أو الدور السطحي يقوم مقام المجاملة التعويضية النفسية عن تقصيره تجاه أبنائه، فيظهر الوجه الطيب، يكشفه الأبناء وإن طال، لأنه غير حقيقي، خاصة وقد بدأ الآباء يشاركون في المهمة التربوية للأطفال، ويسجلون حضورًا له قيمته الكبيرة في حياة الطفل. وتبقى الأم في جواره فترة أطول وتقدم له كل ما يحتاجه من وسائل الرعاية والخدمات الضرورية، فإن دور الأب خرج من الإطار التقليدي للأبوة وفق النموذج القديم، ليؤدي الأب دورًا متميزًا تجاه الطفل، ويسخِّر له أوقات فراغه، ويقيم معه علاقات صلبة من اليوم الأول لولادته، فيحميه ويتعرف على متطلباته اليومية والتربوية.

خلاصة الموضوع
وبخصوص دور الأم فلا يسع عشرات الصفحات إدراك أهميتها وضرورة دورها وتأثيره على الأبناء منذ أيام الحمل حتى ما بعد وفاتها تظل هي اللصيق الوجداني بالأبناء والضمير المميز لهم في حياتهم، فالأم بمثابة غرفة التحكم التي من خلالها يتحرك الطفل، فهي التي تغرس فيه معالم المستقبل، وتأخذ بيده إلى طريق النجاح، خاصة إذا كانت هذه الأم تعرف ملامح الطريق وتفهم دينها وترعى بيتها رعاية إسلامية متكاملة، فلابد من أن تكون الأم والمدرسة حلقتين متصلتين مترابطتين لا انفصال بينهما.

يؤكد د.عمار أنه لا يصح البتة أن تتنحى الأم عن دورها جانبًا، بسبب العمل أو الانشغالات الأخرى، وبالتالي يعاقب الزوج على حساب أبنائه الذين لا ذنب لهم في تصفية المصالح بين الزوجين.

ويعتقد د.عمار أن خلاصة الموضوع تكمن في نقطتين مهمتين :

- ضرورة تولي الوالدين مسوؤلياتهما كاملة تجاه أبنائهما في التربية والتحصين والتنشئة.
- تجنب التمثيل وارتداء قناع الوالد الحنون وارتداء الأم القناع الحازم أو العكس، تعويضًا نفسيًا، سرعان ما سيكشف زيفه الأولاد في زمن النباهة وسرعة البديهة.

صداقة الأبناء .. طوق النجاة


في مرحلة المراهقة يحتاج الأبناء إلى والديهما "وخاصة الأم" أكثر من أي وقتٍ مضى، يحتاجون إلى الحب والاهتمام، وإلى أذنٍ تسمعهم لتبثَّ لها همومها ومشاعرها خاصةً وأن هذه المرحلة لها أهميتها في تكوين شخصيَّة الإنسان، والأهمّ من ذلك أن هذه المرحلة قد يتبرعم فيها المرض النفسي وخصوصًا مرض الفصام، وأي مرض من الأمراض النفسيَّة المعروفة كالقلق والخوف والاكتئاب وغير ذلك.

وقد أكَّدت الدراسات التربويَّة الحديثة ضرورة وجود الأمهات في المنزل لاستقبال الأبناء من المراهقين عند العودة من المدرسة، وكذلك في وقت الغداء وعند النوم، لأن الصداقة بين الأم وأبنائها في مرحلة المراهقة هي طوق نجاة للأولاد والأم في نفس الوقت.

تغييرات نفسيَّة وفسيولوجيَّة
تقول الدكتورة نبيلة السعدي أخصائيَّة التواصل بالمركز المصري للاستشارات الأسريَّة والزوجيَّة: المعروف أن الفتيات تمرُّ بمرحلة حرجة في فترة المراهقة وتحدث لهن تغييرات نفسيَّة وفسيولوجيَّة، ولا يكفي أن تحب الأم ابنتها وتخاف عليها ثمَّ تترك الأمور تسير على هذا الحال، بل لا بدَّ أن يكون الحب والخوف معًا مفتاحين لسلوك واعٍ وعلاقة إيجابيَّة بين الطرفين.

وتضيف الدكتورة نبيلة أن الفتاة في جميع مراحل حياتها تتأثر بوالدتها وتعتبرها مرجعيتها في جميع شئونها، وبالتالي فإن علاقتها بوالدتها يجب أن تكون دائمًا حذِرة ومتوازنة بمعنى أن تدرك الأم خطورة المرحلة التي تمرُّ بها ابنتها وتراقبها بدون أن تشعرها بذلك، وإن وجدت خطأ تعالجه بطريقة الإيحاء غير المباشر أو بضرب المثل والقدوة، وينبغي أن تعتمدَ الأم على منهج الصراحة مع ابنتها.

وتتابع: على الأم أن تعرف جيدًا دورها في هذه المرحلة وذلك بالقراءة الواعية والمدقّقة لفترة المراهقة، فيجب أن تقيمَ الأم علاقة صداقة مع ابنتها تكون هي فيها المثل الأعلى والقدوة الحسنة بحيث تكون رقيقة في الأوقات التي تقتضي ذلك، وتكون حازمة وشديدة في أوقاتٍ أخرى، ويمكن للأم أن تحكى لابنتها سيرة بعض الأفراد ممن يساعدها في علاج مشكلة ابنتها بطريقة غير مباشرة.

وتتسم هذه المرحلة في حياة الفتاة ببعض الخصائص، منها الاندفاع في السلوك ومحاولة إثبات الذات والخجل من التغيرات التي تحدث في شكلها وتقليد والدتها في جميع سلوكياتها، بالإضافة إلى تذبذب وتردد عواطفها فهي تميل إلى تكوين صداقات مع الجنس الآخر ويبدأ ما يسمى بقصص الحب، وفى هذا الوقت تحدث المشاكل بين الفتاة ووالدتها، وهذا خطأ كبير فيجب أن تكون الأم قريبة من ابنتها حتى تقوم بدورها الناصح مع استيعابها للسلوكيات التي تصدرها الفتاة.

مشاعر عدوانيَّة
يقول الدكتور عبد الحميد هاشم أستاذ الطب النفسي جامعة القاهرة: إن الأبحاث العالميَّة أظهرت أن عدم تخصيص وقت معين يوميًّا والتفرغ للأبناء يوميًا أو يومين في الأسبوع لتقويم سلوكياتهم ومتابعة أداؤهم الدراسي نتيجة لانشغال الأبوين بالفعل، لم يكن يشبع الحاجات الوجدانيَّة للأبناء، بل كان يولد لديهم المشاعر العدوانيَّة والرفض تجاه الوالدين.

ويضيف، هنا بدأت الدارسات تنصح باستخدام سياسة مختلفة تعتمد على المراقبة والمتابعة اليوميَّة للمراهقين بحيث يكون لدى الأم والأب الوقت والمساحة النفسيَّة للقاء الأبناء بشكلٍ شبه يومي، وبدأت الأمهات تتخلى عن نظام العمل ليوم كامل لتكون لديهم سعة من الوقت وقدرة نفسيَّة للقيام بالجهد المطلوب لرعاية ومتابعة تغيرات فترة.

ويؤكد هاشم أن العلاقة بين الأبناء والآباء هي المسئولة عن تنشئة طفل سليم نفسيًّا، فكلما توطَّدت هذه العلاقة أصبح أكثر ثباتًا في مواجهة الحياة، ويدعم ثقته بنفسه، وكلما ضعفت أدت إلى كبح وإعاقة النمو النفسي الشخصي وافتقاد الطفل لحاجات الحب والانتماء.

وأوضح أن الصداقة تعتبر خير وسيلة لنجاح العلاقة بين الآباء والأبناء، كما أنها مطلب أساسي للأبناء، مستشهدًا بدراسة اجتماعيَّة سعوديَّة للباحث الدكتور علي الرومي بعنوان "تعامل الآباء مع احتياجات الأبناء دراسة اجتماعيَّة باستخدام مجموعات النقاش المحوريَّة" حيث توصلت إلى أن علاقات 63 بالمائة من الأبناء بآبائهم متوترة ومتذبذبة، كما توصلت إلى رغبة الأبناء في أن يعاملهم آباؤهم كأصدقاء، والشعور بالاهتمام والحريَّة والخصوصيَّة وتوجيه النصح لهم وعدم توبيخهم جاءت في المراتب الأولى.

وتقوم الصداقة على ثلاثة أعمدة رئيسيَّة هي الحب والثقة والاحترام، فمعاملة الطفل بالحب والحنان منذ سنوات عمره الأولى، وتدعيم ثقته بنفسه من خلال الاستماع إليه في جو من الحوار الهادئ الذي يكفل الاحترام لكلا الطرفين، يعين الطفل على مواجهة الحياة بالحب والقياديَّة وليس بالانطواء والانقياديَّة، ولكن مع زخم الحياة والتطور التكنولوجي الرهيب الذي نشهده في الآونة الأخيرة زادت فرص العزلة بين أفراد البيت الواحد، ودعمت من فكرة صراع الأجيال التي قد يحاربها البعض ويحاول جاهدًا مواكبة العصر والتقرب من أبنائِه ومصاحبتهم، وقد يستسلمُ البعض بحجة أنها سنَّة الحياة حتى يصبح الأبناء أسرَى لصداقات وهميَّة على مواقع الشبكات الاجتماعيَّة.

الأربعاء، 25 مايو 2016

الطريق إلى تفوق الأبناء


العلم في حياة الأبناء هو النور الذي يبصرون به طريقهم فلا يتخبطون في ظلمات الجهل، وهو الحصن الذي يدافعون به عن عقيدتهم فلا يتعثرون في خنادق الفتن والشبهات، وهو الجبل الذي يرتقون قمته لينشروا الخير والحب والسلام للعالم أجمع، وتحصيل العلوم النافعة هي أصل في ديننا لا يمكن أن يحييَ المرء قلبه إلا به، والعالم الحق هو الذي يصل به علمه الى معرفة الخالق جل وعلا وخشيته: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}.

وإن كان الآباء يجاهدون ماديا ومعنويا كي يصل أبناؤهم إلى أعلى الدرجات العلمية والمهنية فإن منهم من يهمل تربيتهم وتأديبهم وتثقيفهم دينيًا وخلقيًا واجتماعيًا، فيشب الابن وقد بلغ مكانة علمية أو سلطة سياسية أو منصبًا قياديًا كبيرًا ولكن خلل التربية والتأديب واضح في سلوكياته ومعاملاته.

يقول أحد الأطباء: أبي كان دائم التعنيف لي وأخوتي إذا خسرنا نصف درجة في الاختبارات المدرسية، وكان يضربنا إذا تفوق أحد علينا، حتى وصلنا الى كليات القمة ولكن لا يدري أحد منا كيف يتم صلاته أو وضوءه، فقد كان أبي يكرر أننا سوف نتعلم أمور ديننا تدريجيا وبشكل تلقائي عندما نكبر، ولكننا للأسف كبرنا وتزوجنا وشغلنا مناصب رفيعة ولكن لا ندري عن ديننًا شيئًا.

هدف.. رؤية.. رسالة

وحول هذا الموضوع تقول د/ فاطمة الروبي، خبيرة التنمية البشرية: من المفترض قبل بداية أي عمل في حياتي أن أحدد الهدف المطلوب منه حتى أسير بخطوات صحيحة وثابتة نحو تحقيقه، وعلى الآباء أن يضعوا الأهداف المقصودة من تعليم أبنائهم وهم صغار حتى تكون لديهم رؤية ثم رسالة يسعوا إلى تحقيقها في كل مراحل حياتهم.

وتشير إلى أن الطفل الصغير تكون لديه قدرات عقلية وإبداعات ذهنية لابد من تنميتها بواسطة الأهل والمؤسسات المعنية بذلك، حتى يبرمج عقله ويؤهل ذهنه لاستقبال الأهداف المرجو الوصول إليها، وهذا لا يتم إنجازه بالتركيز على أسلوب الحفظ والتلقين كما يحدث في معظم مدارسنا، ولكن يقوم على إعطاء الطفل مساحة أكبر من التفكير والابتكار والإبداع.

وتوضح د/ الروبي أن الجو العائلي الذي يتسم بالروح الإيجابية والهدوء والتفاؤل والتعاون والمرح والمبني على الأسس العقائدية والخلقية والتربوية السليمة هو التربة الخصبة الذي يخرج منها نبت صالح ونافع، يلم بعلوم دينه ودنياه، ويدرك أهدافه، وتتضح رؤيته، ويؤدي رسالته بإيجابية نحو ذاته ومجتمعه ووطنه على أكمل وجه.

وتؤكد أن التربية في الصغر تمتزج مع التعليم، فالطفل الصغير يتعلم ويتأدب في وقت واحد، وتحصيل العلم لابد أن يصقل شخصية الأبناء ويرتقي بهم خلقيًا وتربويًا وسلوكيًا حتى يكون علمًا نافعًا وليس مجرد كلام نظري تمتلأ به العقول فقط.

وتضيف الخبيرة أننا يجب أن ندعم الطفل ونشجعه على النجاح والإنجاز والتفوق منذ مرحلة التعليم الأساسي، ويتم ذلك بهدوء ونظام وصبر وإدراك لقدرات الطفل واستيعاب للفروق الفردية بينه وبين أقرانه، مع أهمية التركيز بشكل دائم ومستمر على الهدف من وراء التعليم، مستخدمين في ذلك الثواب المعنوي وليس المادي، فإذا تفوق الابن قد يحصل على رحلة جميلة بصحبة العائلة، أو نوجه له كلمة افتخار وتقدير، أو حتى ابتسامة لها مغزى، حتى لا يرتبط بالثواب المادي فيضيع الهدف ويضعف إقباله على تحصيل العلم إذا اختفى الثواب.

علو الهمة

ومن الناحية التربوية يوضح م / مصطفى رشاد، الخبير التربوي، أن علو الهمم يوصل الى القمم، وأن الهمة العالية للأبناء هي مفتاح للتفوق، وهي التي يغرسها الآباء فيهم منذ الصغر، ليس لتحصيل العلم فقط، وإنما للنجاح في أمور حياتهم كلها، كالتفوق الرياضي والثقافي والمجتمعي، فالعلم لابد أن يشمل كل نواحي الحياة، حتى تكتمل الشخصية السوية للإنسان، وطلب العلم يعد أساس الحياة، ولكنه أيضًا ليس الحياة كلها، بل هو جزئية من الجوانب الحياتية التي يجب أن يصقلها المرء ليسد ثغرة مهمة في بنيان إنسانيته.

ويؤكد م/ رشاد أن الهمة العالية في طلب الشيء تذلل الصعاب، وتشع الأمل في القلوب، مهما كثرت الإحباطات وزادت المعوقات، وقد ذكر لنا التاريخ نماذج كثيرة لذلك، فهذه السيدة هند بنت عتبة قبل دخولها الإسلام تتوقع لابنها معاوية بن أبي سفيان –رضي الله عنهما- أن يكون سيد العالم، وليس سيد قومه فقط، كما تنبأ البعض، وكم من أمهات فضليات اليوم كان لهن دور عظيم في حياة أبنائهن، فوالدة الدكتور العالمي أحمد زويل كانت تكتب على غرفته منذ صغره "د / أحمد زويل" ليصبح كما نراه الآن.

ويوضح أن الخلق والعلم لا ينفصلان، فهما الجناحان اللذان يحلق بهما الأبناء نحو القمة، وإذا أهمل أحدهما عجز الجناح الآخر على الارتفاع، فكم من أُناس وصلوا الى مراتب عالية في مجتمعاتهم ولكننا نجد منهم الطبيب الفاسد والمهندس الغشاش والضابط القاسي والعاق لوالديه، كما سمعنا عن الأم العجوز العمياء التي ألقاها ابنها رفيع المستوى في الصحراء وأوهمها أنها المستشفى، ولولا مرور إحدى السيارات وإنقاذها لقضت حتفها من الجوع والبرد.

ويضيف الاستشاري: وهذه القصص تكررت كثيرًا هذه الأيام، فنجد المسئول الكبير يتنصل من أبويه، ونسمع عن رئيس أسبق تنكر لوالده عندما زاره وهو ما زال في كليته العسكرية، والآن نرى ما حدث لكل هؤلاء اللذين وصلوا إلى أعلى الدرجات العلمية والمهنية والدنيوية، ولكن نصيبهم من الخلق والتربية كان صفرًا، ولذا فعلينا ألا يكون التحصيل العلمي للأبناء وتفوقهم فيه هو الشغل الشاغل للآباء وفقط، حتى نجني ثماره الطيبة ونتجنب أشواكه المؤلمة.

نصائح غالية

وحول هذا الشأن يبدأ الداعية محمود القلعاوي حديثه بهذه الكلمات: نصح أحد السلف الصالح أحد أولاده:- "يا بنى لأن تعلم بابًا من الأدب أحب إليَّ من أن تعلم سبعين بابًا من أبواب العلم"، و آخر:- "من أراد العلم والفقه بغير أدب فقد اقتحم أن يكذب على الله ورسوله"، وقال ثالث:- "بالأدب تتفهم العلم، وبالعلم يصح لك العمل".

ويضيف: هذه الكلمات النورانية تعلمنا كيف أن الأدب والتربية وحسن الخلق علاقتهم وثيقة بالعلم والذهاب للمدرسة.. وإن المقصد ليس فى الحصول على شهادات من المدارس والجامعات، بل المقصد أعظم من هذا، وهو أن نحصل على علم تمتلئ به القلوب خشية، وتكوّن فينا جيلًا صالحًا، وتهدي أولادنا إلى الطريق القويم الذي نبني به بلادنا ووطننا.

ويكمل: لابد أن نحدث ثورة في نظرتنا لمدارسنا تواكب ثورة تعيشها بلادنا، نريد علمًا لأودلانا ترفع به درجاتهم فى الدنيا والآخرة:- {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}. نريد العلم النافع الذي يأخذ بأيدينا إلى دروب التقدم والعزة والرفعة التي افتقدناها طويلًا، نريده علمًا يوصلنا إلى مرضاة ربنا، ونبني به وطننا الحبيب، ونكون في صفوف الدول المتقدمة لا في صفوف الدول المتخلفة المتأخرة. فما أجمل ما قاله الإمام ابن القيم، رحمه الله: "أدب المرء عنوان سعادته وفلاحه، وقلة أدبه عنوان شقاوته وبواره".. وكذلك ما ذكره الإمام ابن المبارك:- "نحنُ إلى قليل من الأدب أحوج منا إلى كثير من العلم".

ويشير إلى اهتمام الأئمة والعلماء الأوائل بجعل العمل لا يصح إلا بالعلم، فالمرء يعرف دينه بالعلم ويترجمه بالعبادات والسلوك والمعاملات، فقد كتب الإمام البخاري "باب العلم قبل العمل"؛ ليدل على أهمية العلم قبل العمل، وليدل على أن التربية والأثر الصالح لهذا العلم لابد أن يكون عملًا صالحًا وخلقًا طيبًا.. "إنما يخشى الله من عباده العلماء"، فالمعرفة لابد أن يتبعها سلوك.

ويوضح أن كل أنواع الأدب مطلوبة، ولكن أوجبها ونحن نتحدث عن المدراس والجامعات، الأدب مع الكبير، قال صلى الله عليه وسلم:- «ليس من أمتي من لم يجلّ كبيرنا، ويرحم صغيرنا، ويعرف لعالمنا حقه». فالعلم والأدب الأصل أنهما متلازمان، لا أدب دون علم ولا علم دون أدب، فالفكرة ليست فى شحن العقول بمسائل رياضيات ونظريات علمية وأبيات شعرية وفقط؛ بل لابد من تأثر أولادنا بذلك العلم، وبهذا كله نخرِّج طلاب علم على خلق وأدب، لا طلاب شهادات وفقط.

كيف تعدين ابنك لأول يوم في الروضة ؟


رياض الأطفال مرحلة مهمّة وجميلة لأطفالنا، والرَّوضة ليس هدفها الأكبر تعليم القراءة والكتابة، بل لتنمية قدرة الطفل على النطق والتعبير السليم وتدريبه على الاستماع، وتنمية حواسه الخمس واستخدامها استخداماً سليماً، ولكي يتعرّف ويندمج الطفل مع أقرانه، ويتعوَّد على احترام رغبات وميول الآخرين، فهي بيئة اجتماعية تربوية إبداعية للأطفال.

10 خطوات لمراعاة طفلك في يومه المدرسي الأول:

1) حضري ابنك نفسياً ومعنوياً للمدرسة، عوّديه على مواعيد ثابتة للنّوم والطعام في المنزل قبل بدء المدرسة، ليشعر طفلك بالاندماج في الجو المدرسي والقواعد والنظام المدرسي.

2) اتركي لطفلك حرية اختيار حاجاته المدرسية، وأشعريه بالثقة والمسؤولية، وساعديه في اختيار الألوان الزَّاهية والجميلة لحقيبة المدرسة، وحقيبة حفظ الطعام والأقلام، فهذا يحفز الطفل على ربط المدرسة بشيء جميل.

3) ثقي أيتها الأم الغالية أنّك إذا ذكرت المدرسة أمام طفلك كأسلوب للعقاب أو التهديد، فأنت تربيه على كره المدرسة والتعليم منذ نعومة أظافره، بل دائماً اذكري المدرسة بالعبارات الإيجابية والجميلة.

4) احرص على اختيار الرَّوضة المناسبة، حيث المكان جيّد التهوية، والواسع لحركة الأطفال ولعبهم، والمحتوي على الألعاب التربوية التي تنمي تفكير الطفل؛ مثل المكعبات والصلصال والعرائس والقصص، وأن تكون معلمته تربوية تراعي حاجاته النفسية والمعرفية.

5) اصطحبي ابنك إن أمكن في زيارة للمدرسة ورؤية صفه قبل بدء الدراسة، فسيكون هذا مفيداً لكسر الرَّهبة.

6) في أول يوم له بالمدرسة، أيقظيه مبكراً، وتناولي معه وجبة الفطور بهدوء من دون تسرع أو هلع، واجعليه يساعدك في تحضير وجبته المدرسية؛ من شطيرة وبعض الفاكهة والحليب والحلوى، بما يكفل له وجبة صحية غذائية متكاملة.

7) علّمي ابنك كيفية الدخول إلى الحمام، وغسل يديه قبل وبعد الطعام، ومراعاة نظافته ونظافة ملابسه، واجعلي لولدك ملابس إضافية في المدرسة.

8) في اليوم الأوَّل له رافقيه إلى صفه ولكن لا تجعليه يلتصق بك، بل حاولي أن تفسحي له المجال كي يشارك الآخرين في نشاطهم ويندمج معهم، تعرّفي على معلماته وصافحيهم واجعليه يصافحهم ويصافح طلاب صفه ويتعرف على أسمائهم، وعندما تشعرين بأنه اندمج مع صفه انسحبي دون أن يشعر .

9) لا تجعلي طفلك يعتقد أنَّ الحياة متوقفة على المدرسة والدّراسة فقط، بل شجّعيه على ممارسة رياضته المفضلة، والاستمتاع بهواياته.

10) حاولي أن توصلي فكرة الأدوار لابنك، فوالده يعمل في عمله، وهو يذهب إلى مدرسته، وأمه تعدّ الطعام وتنظم المنزل، فيشعر بأهمية ذهابه إلى المدرسة.

الأحد، 22 مايو 2016

عمليا كيف نربي أبناءنا في رمضان ؟


بقدر فرحتنا الكبيرة وإشراق نفوسنا لقدوم شهر رمضان، علينا ألا ننسى ولا للحظة واحدة واجباتنا التربوية تجاه أبنائنا في شهر رمضان المبارك، حيث يُعدُّ شهر رمضان الكريم بحق غنيمةً للمربين، قال تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} [البقرة: 185، 186].

مهمة التربية وبناء النفوس الصالحة ليست مهمة سهلة، بل تحتاج إلى جهد كبير ويقظة تربوية تجعل المربي لا يفوّت موقفًا أو حدثًا أو مناسبة تمرّ به وبأبنائه، إلا أحسن استغلالها لمصلحة تربيتهم؛ فالكلمة تفعل في النفس وقت الحدث ما لا تفعله في غيره من الأوقات، وتؤدي إلى ترسيخ المعاني التربوية والعبادات المرتبطة بهذه المناسبة، حتى تعود هيئةً راسخةً في نفس الطفل يشبّ عليها ولا يتركها طوال حياته.

وفي رحاب شهر رمضان الكريم ننهل من عطاياه التربوية من خلال عدة محاور يجب أن يركز عليها المربي في هذا الشهر الكريم.

أهمية تدريب الطفل على أداء العبادات مبكرًا:
مرحلة الطفولة هي المرحلة الذهبية لتعليم الطفل والتأثير فيه؛ لذلك نجد الإسلام يوجّه الآباء والأمهات إلى تدريب أطفالهم على امتثال الطاعات وأداء الفرائض في طفولتهم، كالصلاة والصيام والحجاب للبنات، حتى إذا بلغوا سن التمييز واظبوا عليها بسهولة ويسر، حيث ألفوا وتعودوا على أدائها بانتظام، وأصبحت جزءًا من كيانهم.

وقد جاء عن المربي الأعظم صلى الله عليه وسلم توجيه الصحابة والصحابيات إلى تدريب الصغار على عبادة الصيام، وإعداد الأمهات لِلُعبٍ يلهّونهم بها إذا بكوا جوعًا؛ فعن الربيع بنت معوذ قالت: "كنا نَصُومُ ونُصوِّم صبياننا الصغار منهم، ونذهب إلى المسجد، فنجعل لهم اللعبة من العهن (أي الصوف)، فإذا بكى أحدهم من الطعام أعطيناه إياه، حتى يكون عند الإفطار" (أي أعطيناه هذا الصوف يتلهي به حتى يحين موعد الإفطار)(1).

مراعاة الرفق والتدرج أثناء تعويد الأطفال على الصيام:
- فنبدأ مع الطفل بالصوم الجزئي بأن يتعود الإمساك إلى منتصف النهار أو إلى العصر، حتى إذا قَوِي على ذلك واعتاده انتقل إلى مرحلة تالية، كذلك يمكن أن يصوم الطفل يومًا كاملاً، ثم يفطر أيامًا ليستريح ويزيد في عدد الأيام بعد ذلك تدريجيًّا.

- نجنّب الطفل الصوم في الأيام شديدة الحرّ، وكذلك يمنع من الإفراط في النشاط الحركي والرياضة أثناء الصوم، وفي حالة إحساس الطفل بالجوع الشديد ينصح بالإفطار وعدم المكابرة.

- ومما يعين الطفل على الصيام أن يلتزم بوجبة السحور مع الكبار، على أن نشرح له -ببساطة- أهمية السحور من حيث اتباع سُنّة الرسول صلى الله عليه وسلم، وما فيه من البركة، وأنّه من الأسباب التي تقوِّي أجسادنا على الصيام.

- ومما يعينه كذلك أن نحكي له عن صوم الكائنات الأخرى غير الإنسان، كصوم العناكب، وصوم أسماك السلمون، وبإمكان المربي العثور على الكثير من هذه المعلومات من خلال البحث على شبكة الإنترنت.

- دوام تشجيع الطفل ومكافأته عند اجتيازه فترة الصوم المحددة بنجاح، بزيادة مصروفه مثلاً، أو الثناء عليه، أو منحه الألقاب الحسنة.

غرس معاني العطاء والتكافل في نفس الصغير:
عَن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ‏:‏ "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وَكَانَ أجود مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أجود بِالْخَيْرِ مِن الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ"(2).

يُعدُّ شهر رمضان من أحسن المناسبات التي يتعلم فيها الطفل معنى التكافل، والشعور بالمسئولية نحو الفقير والمسكين، وقلوب الصغار رقيقة لينة شديدة التأثر بالبيئة الأسرية وسلوك الكبار أمامهم، فعندما يرى الأطفال آباءهم وهم يُخرِجون صدقاتهم وزكاة فطرهم ويشاركونهم هذا العمل؛ فسيتعلمون منهم حب الصدقة، والرحمة بالفقراء، ويدركون معنى التكافل وبُغض الأثرة والأنانية..

وتدريب الصغار على الممارسة العلمية للبذل ورعاية الفقراء هدي السلف الصالح رضي الله عنهم أجمعين، "فقد ورد عن ابن عمر رضي الله عنهما أنّه جاءه سائل يريد صدقة، فقال لابنه: أعطه دينارًا، واجعله في يده!"؛ تدريبًا له على ذلك(3).

التربية على المعنى الكامل لتعظيم شعائر الله:
قال تعالى: {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج: 32]. ورد في معنى (شعائر الله) أنها: المعالم الظاهرة من دينه التي جعل الله تبارك وتعالى بعضها مكانيًّا، وجعل بعضها زمانيًّا، ومن ذلك الأشهر الحرم وشهر رمضان الذي شرّفه الله تعالى بنزول القرآن وفرض الصيام فيه.

وتعظيم الشعائر لا يكون بالإقبال على الطاعات والاستزادة منها فقط، فهذا المعنى مبتور، ولا يكتمل تعظيم الشعائر إلا بتجنب ما حرم الله تعالى، وأن يرى المسلم أن ارتكاب المعصية في الأيام الفاضلة أشد قبحًا وأعظم جرمًا منه في غيرها.

ولا يخفى على أحد تلك الحرب المعلنة من الآلة الإعلامية بهدف إفساد الشعائر لا تعظيمها في شهر رمضان المعظم، وتحويل شهر رمضان الكريم من موسم يزداد فيه المؤمن إيمانًا إلى أكبر سوق يروج فيه أهل الباطل (الفن) لبضاعتهم، الأمر الذي يختزل معنى تعظيم الشهر الكريم في أذهان الكثيرين في صورة أداء الطاعات دون أن يتلازم معها الانتهاء عن المحرمات..

ولذلك لا نبالغ إذا قلنا: إن المواد الإعلامية الفاسدة التي تبثها الشاشة الصغيرة داخل البيوت تُعدُّ التحدي الأكبر الذي يواجهه المربي في رمضان من كل عام؛ فالمربي المسئولُ الأول عن وقاية أبنائه من النار بمنع تعرضهم لأسباب دخولها، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم: ٦]. وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- في تفسيرها: "اعملوا بطاعة الله، واتقوا معاصي الله، ومروا أهليكم بالذكر ينجيكم الله من النار"(4).

وليعلم المربي أن مواجهة هذه الفتنة لن تأتي أبدًا بإصدار الأوامر والفرمانات، أو نزع الأسلاك والكابلات، لكن تأتي أولاً: بالقدوة الحسنة التي تتمثل في موقف الوالدين الواضح من هذه البرامج موقفًا حازمًا لا يعتريه تذبذب أو رَوَغَان.

ثانيًا: تربية الأبناء على المراقبة لله تعالى، وتذكيرهم بالآيات والأحاديث التي تدعم هذا الجانب، مثل قول الله تعالى: {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً} [الإسراء: 36]، ومعناه التحذير من أن تسمع ما لا يحل لك، أو تنظر إلى ما لا يحل لك، أو تعتقد ما لا يحل لك. ويردد المربي على أسماعهم من الأحاديث ما يزكي معنى المراقبة، مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم: «احفظ الله يحفظك»، وقوله صلى الله عليه وسلم: «اتق الله حيثما كنت»؛ وذلك بنبرة واضحة مع الأداء الصوتي الضاغط على كل حرف وكلمة من هذه الكلمات العظيمة، يصاحبها تركيز النظر في عيني الطفل، مع ابتسامة حانية.

ثالثًا: لا بد من تصحيح وبناء فكر سليم لدى الأطفال تجاه الإعلام، وأنه ليس كل ما يُعرض فيه يرضي الله تعالى أو يصلح للمشاهدة؛ لذلك لا بد أن يكون تعامل المؤمن معه انتقائيًّا، فلا يشاهد إلا ما يرضي ربه ويزيد في حسناته.

كنوز العشر الأواخر
وأهمها: تعويد الأبناء على تحرّي ليلة القدر، والحرص على موافقتها بالقيام والتهجد، وتعليمهم الدعاء الخاص بها؛ فعَنْ عَائِشَةَ -رضي الله عنها- قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ وَافَقْتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، مَا أَقُولُ فِيهَا؟ قَالَ: «قُولِي: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي».

ومن كنوز العشر الأواخر أيضًا تربية الطفل على المثابرة على الطاعة، مع التنبيه على الإخلاص في أدائها، وعدم الإعجاب بكثرتها؛ فقد تعتري نفس الصغير آفة العجب كما تعتري نفس الكبير إن لم يُوجَّه ويُنَبَّه لذلك، ولقد حذرنا النبي صلى الله عليه وسلم من الوقوع في تلك الآفة عقب رمضان، فقال صلى الله عليه وسلم: «لا يقولنّ أحدكم: صُمت رمضان كلّه، ولا قُمت رمضان كلّه»(5).

ولكن نعلمهم أن يردّوا الفضل دائمًا لله تعالى فيما وُفِّقُوا إليه من الطاعات، فعن أبي عمران الشيباني أنه قال: قال موسى يوم الطور: يا رب.. إنْ أنا صليت فمِن قِبلك، وإن أنا تصدقت فمن قِبلك، وإن أنا بلّغت رسالاتك فمن قِبلك، فكيف أشكرك؟ فقال الله تعالى لموسى: الآن شكرتني..!".

وأخيرًا.. أعزائي المربين
إن قوة الحدث الإيماني في شهر رمضان المبارك تسهّل على المربي مهمته في تربية أبنائه وإصلاح نفوسهم على الوجه الذي يرضاه الله تعالى؛ فلنكن إيجابيين في استثمار هذه الفرصة التربوية العظيمة.. على قدر شرف الزمان الذي نستقبله.. على مستوى شهر رمضان الكريم.

المراجع:
- د. عبد الكريم بكار: بناء الأجيال.
- د. مصطفى أبو سعد: التربية الإيجابية من خلال إشباع الحاجات النفسية للطفل.

(1) أخرجه البخاري، باب صوم الصبيان 3/82.
(2) أخرجه البخاري.
(3) التمهيد لابن عبد البر، 4/256.
(4) تفسير الطبري 23/491.
(5) أخرجه أبو داود (2415)، وضعفه الألباني (2062).

بيوتنا .. والأمية العاطفية


تتكون شخصية الفرد من مجموعة من المكونات والجوانب التي يجب أن تتكامل مع بعضها البعض، لتخرج لنا منتجًا نهائيًّا لفرد سوي يستطيع التعايش مع نفسه ومع المجتمع الذي يعيش فيها بكافة مكوناته وأفراده.

لذا فغاية كل أب وأم من تربيتهم لأبنائهم أن يُخرجا للمجتمع الأفراد الأسوياء أولئك، ولكن كثيرًا من الآباء والأمهات يحصرون نجاحهم في تربية أبنائهم من خلال مدى نجاح أبنائهم دراسيًّا أو علميًّا، رغم أن الدراسات الحديثة أثبتت أن معامل الذكاء هذا يُسهم فيها هو 20% فقط من العوامل التي تحدد نجاح الفرد في الحياة.

وقد يجهل الوالدان أن الإنسان يتفاعل عبر -إن صح التعبير- نوعين من العقل لا بد من تنميتهما بشكل متوازٍ ومتوازن، وهما: العقل المنطقي الذي يسمح لنا بالتفكير العميق والتأمل، والعقل العاطفي المندفع غير المنطقي أحيانًا كثيرة.

وصحة الفرد النفسية والعقلية تعتمد على مدى اتساق كليهما وتوافقهما في العمل كل بجانب الآخر، وكذلك فإن طغيان أحد العقلين على الآخر وإحكام سيطرته عليه يجعل الفرد يعيش في صراع بينهما.

ولتحقيق التناغم بين ذلكما العقلين ينتج نوعًا من الذكاء يجب على الوالدين تنميته ورعايته في نفوس أبنائهم وهو "الذكاء العاطفي"، وقد قسّم د. هوارد جارنر -جامعة هارفرد- أنواع الذكاء الإنساني لسبعة أنواع رئيسية وهي: (1) البراعة اللغوية. (2) البراعة الرياضية المنطقية. (3) براعة إدراك الحيز والتي تتبدى في أعمال فنان أو معماري. (4) براعة الإحساس الحركي. (5) براعة الإحساس السماعي. (6) ذكاء العلاقات المتداخلة بين الناس. (7) براعة تناغم حياة الفرد مع مشاعره الحقيقية.

ويمكن لنا أن نطلق عن آخر نوعين مصطلحًا واحدًا وهو (الذكاء العاطفي).

ويُعرّف الذكاء العاطفي بأنه هو القدرة على التعامل مع المعلومات العاطفية، وذلك من خلال استقبال هذه العواطف واستيعابها، ثم فهمها وإدارتها.

والطفل الذي يمتلك ذلك النوع من الذكاء يكون لديه انسجام بين عواطفه والمبادئ والقيم التي اكتسبها مما يشعره بالرضا والاطمئنان النفسي؛ فيستطيع اتخاذ القرارات المهمة في حياته بعد ذلك بسهولة ويسر، وكذلك يكون لدى الطفل الذكيّ عاطفيًّا قدرة لتحفيز نفسه (دافعية ذاتية) ويكون أكثر فعالية من خلال فريق، وتكون لديه فرص أكبر في تكوين الصداقات، ويصير من بعد ذلك زوجًا ومربيًا ناجحًا، ويحرز تقدمًا في مجاله الوظيفي وحياته العملية.

أميتنا العاطفية:
للأسف، فالكثير من بيوتنا تعيش نوعًا من الأمية في ذلك النوع من الذكاء رغم أهميته، فتلك الأمية العاطفية تؤدي لكثير من المشكلات للفرد وللمجتمع ككل، ومنها على سبيل المثال:

- حين يعيش الفرد في صراع بين انفعالاته وعقله؛ يؤدي ذلك لزيادة نسبة إصابته بأمراض نفسية قد تؤدي للانتحار، مثلما هو منتشر في المجتمعات الغربية.

- كذلك يؤثر ذلك الصراع النفسي على مستقبل الفرد الأكاديمي (الدراسي).

- الإخفاق الوظيفي: فقد قام مكتب الإرشاد المهني بجامعة "هارفرد "بإجراء دراسة على آلاف الرجال والنساء الذين تم الاستغناء عنهم وظيفيًّا، فوجدوا أن 10% فقط منهم قد فقدوا وظائفهم لفشلهم في أداء أعمالهم، بينما 90% ممن أجريت عليهم الدراسة قد فقدوا وظائفهم بسبب فشلهم في تطوير شخصياتهم كي تستطيع أن تتعامل بنجاح مع الآخرين.

- الإخفاق الأسري وضعف التربية نتيجة لتفكك أواصر الأسرة.

مجالات الذكاء العاطفي:
ولكي نستطيع أن نطلق صفة الذكاء العاطفي على الفرد يجب أن يجيد خمسة مجالات أساسية وهي:

1- تعرف الفرد على حقيقة عواطفه: فالتعرف على حقيقة مشاعرنا وعواطفنا تجعلنا نستطيع فهمها، ولا نقع تحت رحمتها ونندفع وراءها.

2- إدارة تلك العواطف: فبعد التعرف الحقيقي على العواطف تأتي النقطة الأهم وهي إدارة تلك العواطف بما يخدم مصلحة الفرد، كقدرة الفرد على تهدئة نفسه في حالة غضبه، أو كبح جماح التوتر والقلق الذي يشعر به في المواقف الجديدة أو الخطرة، والفرد الذي يفتقر إلى تلك المقدرة يعيش في صراع مستمر بين عواطفه المختلفة، أما الفرد الذي يمتلكها فهو ذلك الفرد الذي يستطيع أن يقوم من كبواته بسرعة وبأقل الخسائر.

3- توجيه العواطف: وهي مرحلة متقدمة بعد إدارته لعواطفه؛ وفيها يقوم الفرد ليس بالتحكم في عواطفه وانفعالاته السلبية فقط بل يوجهها نحو تحقيق هدف ينشده، كالذي يستفيد من إحباطاته المتكررة لكي تكون قوة دفع تحفزه للإبداع والتفوق.

4- الشعور بمشاعر الآخرين (التقمص الوجداني): وهنا يخرج الفرد من نطاق مشاعره إلى الشعور بمشاعر المحيطين به والإحساس بها والتعاطف معها، ويظهر ذلك في مشاعر كالغيرة والإيثار.

5- توجيه العلاقات الإنسانية: وهو في معظمه مهارة في تطويع عواطف الآخرين، وهو فن يجيده الزعماء والأفراد الذين يمتلكون الـ(كاريزما).

تنمية الذكاء العاطفي داخل الأسرة:
من هنا يتضح لكل والدَيْن ضرورة الاهتمام بذلك النوع من الذكاء وتنميته، مع عدم التركيز على الذكاء العقلي فقط، وسنورد بعض الخطوات التي تعين الوالدين على غرس وتنمية الذكاء العاطفي في نفوس أطفالهم بشكل عمليّ بسيط وسهل:

- أَعْلِن مشاعرك: هذا هو الشعار الذي يجب أن يرفعه الوالدان في تعاملاتهم داخل الأسرة، فكثير منا نشأ في بيوت لا تشجع ولا تساعد على التعبير عن المشاعر والانفعالات، فتحوّل الأمر من إدارة للعواطف والانفعالات -كما قلنا من قبل- إلى كبت لتلك العواطف؛ لذا أَعْلِن دائمًا أمام أولادك عن مشاعرك وسمِّها أمامهم، فحينما تغضب من تصرف لطفلك قفْ أمامه وأَبْدِ غضبك وقل له: (أبوك غضبان منك لأنك فعلت كذا وكذا...)، مع مراعاة عدم إظهار الانفعالات السلبية كانفعال الخوف من بعض الحيوانات أمام الطفل؛ حتى لا يتأثر سلبًا بذلك.

- احترم مشاعر وانفعالات طفلك ولا تسفه منها، بل على العكس من ذلك على الوالدين أن يبديا اهتمامًا بما يشعر به الطفل؛ حتى يشعر الطفل بأن هناك من يشاركه انفعالاته.

- تعرف على مشاعر طفلك وانفعالاته وسمِّها أمامه؛ حتى يستطيع هو التعرف عليها بعد ذلك، ومن ثَمّ يستطيع إدارتها والتحكم فيها وتوجيهها للأفضل له ولمن حوله.

- كن قدوة لأبنائك في تعاملك مع مشاعرك وانفعالاتك وإدارتها.

- استمع إلى مشاعر ابنك أو ابنتك، وعبّر له عنها إذا عجز هو عن التعبير بما يجيش في نفسه من مشاعر، فقل له مثلاً: (تبدو حزينًا، هل تريد الحديث حول أمر ما؟ أو تبدو سعيدًا بلعبتك الجديدة)، مع مراعاة ترك فرصة لابنك كي يعيش مشاعره، فلا تتسرع في التدخل وإصلاح ما تعتقد أنَّه يزعجه.

- سنترك المجال للمشاعر والانفعالات ولكن لن نسمح بسلوكيات غير مرغوب فيها تظهر بحجة التنفيس عن تلك المشاعر، بل سنعاقب عليها.. وهنا لنا وقفة مع (التنفيس عن المشاعر) فقد أثبتت دراسة حديثة أن التنفيس عن المشاعر هو أسوأ الوسائل لتهدئتها؛ فمثلاً انفجار نوبة الغضب الشديدة يرفع مستوى الإثارة في المخ الانفعالي، فيزداد الشعور بالغضب وليس العكس.

ولنا في الهدي النبوي قدوة ومثال يُحتذى به، فلنَرَ كيف تعامل الرسول صلى الله عليه وسلم مع الغضبان، فقد غيَّر له الوضع أو الحالة التي هو عليها، ولم يقل له: اغضب أكثر لكي تنفِّس عن مشاعرك، وهذا هو المطلوب منك، حاول جذب انتباه طفلك لمثير آخر من خلاله يغيِّر حالته المزاجية من حالة سلبية إلى إيجابية.

- الابتسامة والسيرتونين: يعتبر "السيروتونين" أحد الكيماويات التي يطلق عليها اسم "الموصلات أو الناقلات العصبية" التي تعمل على إثارة ردود الفعل العاطفية لدى الطفل، وذلك عن طريق توصيل أو نقل رسائل عاطفية من المخ إلى مختلف أجزاء الجسم. ولا يمكن إغفال تأثير مادة "السيروتونين" بالنسبة لحياة الطفل العاطفية، والتي لا يحتاج إنتاجها إلى أكثر من ابتسامة؛ لأنها تؤثر على عدد من أجهزة الجسم كدرجة حرارته وضغطه، فضلاً عن الهضم والنوم. وتساعد هذه المادة الأطفال في التغلب على الضغوط التي يتعرضون لها؛ إذ إن زيادة معدل "السيروتونين" يصاحبه دائمًا نقص في العدوانية والكراهية.

- ساعة اللعب على الأرض: فقد أثبتت الدراسات الحديثة أن خلايا المخ والموصلات العصبية تكون في أعلى مراحل نموها أثناء اللعب؛ لذا على الوالدين تخصيص ولو ساعة يوميًّا للعب مع أطفالهم؛ وكذلك التفاعل والتحاور مع الأطفال أثناء اللعب ينمِّي أواصر العلاقات الاجتماعية بين أفراد الأسرة الواحدة.

الأربعاء، 18 مايو 2016

أطفالنا وحب الرسول صلى الله عليه وسلم


أعزائي.. واجب الأهل كبير أمام أطفالهم، وكلنا راعٍ وكلنا مسئول عن رعيته، ومن هذا المنطلق وحرصًا من كل منا على رعيته، تعالوا نرعَ أصغر الرعية، وأحبهم إلى قلوبنا.. أطفالنا.. أحبابنا.. فلذات أكبادنا تمشي على الأرض.

فمن الواجب علينا جميعًا أن نغرس في أبنائنا منذ الطفولة حب الله سبحانه، ونقرنه بحب النبي صلى الله عليه وسلم، ونتعامل معهم بالحسنى والرحمة، ونقتدي به صلى الله عليه وسلم قولاً وعملاً، نحبه ونحبِّب أبناءنا به، ليشبَّ الطفل على سيرته العطرة وسنته الحسنة..

الحقيقة أن حب النبي صلى الله عليه وسلم هو أصل من أصول الدين الإسلامي، ومبدأ من مبادئه لا يستقيم إيمان إنسان بدونه، ولا يسع مسلم أن يتجاوزه؛ فمحبته صلى الله عليه وسلم مرتبطة بمحبة الله سبحانه وتعالى، إذ إنه صلى الله عليه وسلم مبعوثه ورسوله ومصطفاه.

وللأسف أغلب أطفالنا لا يعرفون إلا القليل عن خُلُق رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يعرفون كم أحبَّهم وكم ذكرهم وأوصى بحسن رعايتهم والاهتمام بهم، وفي الوقت نفسه يعرفون كلمات وصفات رجال ونساء اشتهروا في أمور الحياة.

لذلك نقدم في هذه السطور اقتراحات لرسم صورة واضحة للقدوة المثالية التي تستحق أن تتبع، وهي شخصية نبينا صلى الله عليه وسلم.

لماذا يجب أن نحببه صلى الله عليه وسلم إلى أطفالنا ؟
لأن مرحلة الطفولة المبكرة هي أهم المراحل في بناء شخصية الإنسان، فإذا أردنا تربية نشء مسلم يحب الله ورسوله فلنبدأ معه منذ البداية، حين يكون حريصًا على إرضاء والديه مطيعًا، فنتكلم لهم عن سيرته صلى الله عليه وسلم ليحبوه، وهذا الحب سوف يعود عليهم بالخير والبركة والتوفيق في شتى أمور حياتهم، وهو ما يرجوه كل أب وأم.

لا يمكننا أن نغفل حقيقة أن أطفالنا هم الرعية التي استرعانا الله إياها، ومن أهمل تعليم ولده ما ينفعه، فقد أساء غاية الإساءة؛ وأكثر الأولاد إنما جاء ضياعهم بسبب إهمال الآباء لهم وتركهم دون أن يعلّموهم فرائض الدين وسننه.

كيف نحبب نبينا صلى الله عليه وسلم إلى أطفالنا ؟
يمكننا أن نحبب نبينا صلى الله عليه وسلم إلى أطفالنا بالتعامل مع كل مرحلة عمرية بما يناسبها:

1- تلعب القدوة في مرحلة ما بعد الميلاد حتى الثانية من العمر أفضل أدوارها، حين يسمع الأطفال والديه يصليان على النبي صلى الله عليه وسلم عند ذكره أو سماع من يذكره، فيتعود ذلك ويألفه منذ نعومة أظفاره؛ مما يمهد لحبه لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين يكبر.

2- مرحلة ما بين الثالثة والسادسة: يكون الطفل في هذه المرحلة شغوفًا بالاستماع للقصص؛ لذا فمن المفيد أن نعرِّفه ببساطة وتشويق برسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن المهم أن نناقش الطفل ونطلب رأيه فيما يسمعه من أحداث، مع توضيح ما غمض عليه منها.

3- مرحلة ما بين السابعة والعاشرة: في هذه المرحلة يمكننا أن نحكي لهم مواقف الرسول صلى الله عليه وسلم مع الأطفال، وحبه لهم ورحمته بهم واحترامه لهم؛ ومما يعين أيضًا على حبه صلى الله عليه وسلم أن نكافئ الطفل على صلاته على النبي صلى الله عليه وسلم عشر مرات -مثلاً- قبل النوم، وبعد الصلاة حتى يتعود ذلك.

4- مرحلة ما بين الحادية عشرة والثالثة عشرة: يمكن في هذه المرحلة أن نحكي له بطريقة غير مباشرة عن أخلاق وطباع الرسول صلى الله عليه وسلم؛ أي أثناء اجتماع الأسرة للطعام أو اجتماعها للتنزه في نهاية الأسبوع، أو نقوم بتشغيل شريط يحكي عنه في السيارة أثناء الذهاب للنزهة، أو نهديهم كتبًا تتحدث عنه صلى الله عليه وسلم بأسلوب قصصي شائق.

5- من المجدي في مرحلة ما بين الرابعة عشرة والسادسة عشرة أن يقوم الوالدان بعقد المسابقات في الإجازة الصيفية بين الأولاد وأقرانهم من الأقارب أو الجيران أو الأصدقاء بالمدرسة أو النادي لعمل أبحاث صغيرة عن سيرته صلى الله عليه وسلم.

ولكن هناك ملاحظات مهمة أثناء التطبيق ستخلق جوًّا جميلاً للطفل، وستلفت انتباهه للجهد الذي تبذلونه كأسرة في غرس حب النبي صلى الله عليه وسلم في نفوس صغاركم، منها:

1- الحرص على الإقناع باستخدام المناقشة والسؤال والاستفسار، وعدم الاعتماد على أسلوب التلقين وحده.

2- يُراعى استخدام أساليب التشويق في حكاية سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، كما يراعى استخدام الثواب والهدية ومثاله في حالة التكليف بحفظ الأحاديث أو شيء من السُّنَّة.

3- مساعدة الأطفال في الإنتاج الإبداعي فيما يخص حب النبي صلى الله عليه وسلم، مثل: كتابة الشعر في ذلك، والقصة، والمقالات، وتشجيع المسابقات والمنافسات المختلفة في موضوع حب النبي صلى الله عليه وسلم.

أعزائي.. إن من واجبنا تجاه حبيبنا ونبينا سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أن نربِّي نفوسنا وأبناءنا على تعاليم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وندربهم على التزام سنته، ونغرس في قلوبهم حبه؛ حتى يكون أحب إلينا من مالنا وولدنا ونفوسنا والناس أجمعين، وكذلك حب صحابته وآل بيته الكرام رضوان الله عليهم أجمعين.

من هنا كانت الحاجة ملحّة لأنْ نعيد إلى أذهاننا وأذهان أبنائنا من الأطفال والشباب الصورة الصحيحة للقدوة الصالحة، والشخصية التي تستحق أن تُتبع وأن يُحتذى بها.